والقرين كتوصيف عام هو الملازم للانسن
والمتطابق معه لا يتركه لحظة ولهذا فرّقنا بين القرين وبين الصاحب أو الصديق أو الخليل. وقلنا أن القرين هو الذي يتطابق مع الانسان في كل الصفات وإما أن يؤثر الانسان على قرينه أو القرين على الانسان وقد ظهر هذا في حديث الرسول r الذي استعرضناه في الحلقة السابقة أن لكل مخلوق قرين من الجن حتى رسول الله r إلا أن الله تبارك وتعالى أعانه عليه فأسلم وفي رواية السيدة عائشة رضي الله عنها (حتى أسلم). يسأل المقدم مستطرداً هل القرين مسلم؟ يجيب الدكتور هداية أن الجن فيه المسلم وغير المسلم لكن لما نطلق كلمة الجن يذهب الذهن للشيطان. ابليس أخذ على نفسه عهد أمام الله تعالى بإغواء الناس بوجه عام واستثنى عباد الله المخلَصين (إلا عبادك منهم المخلصين). بعض الناس سلّم أن له قرين من الجنّ ويقول أنا مغصوب على أمري ولم ينتبه أن في الآية استثناء. وجاء الردّ من الله تعالى (هذا صراط علي مستقيم) وكلمة عبادي تدل على أن هناك عباد من العبيد لا يقوى عليهم الشيطان فهؤلاء هم الذين يأخذون قرينهم للاسلام ويجب أن نفهم كلام الرسول r وقوله تعالى (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) فما فعله الرسول r مع قرينه يجب أن يكون أسوة لنا فإذا كان واجباً عليه r وهو الرسول أن يجاهد قرينه فهو علينا أوجب وعلينا أن نجاهد ونكابد حتى ننتصر على القرين كما فعل الرسول r كأسوة للمسامين جميعاً. فإذا كان موعد الآذان فالقرين سيحاول أن يقعدك عن الصلاة أو يؤخرك عنها وعليك أن تجاهده وتقول له (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا) كذلك في الصيام وفي الصدقة يحاول القرين أن يقعدك عن هذه العمال الصالحة. سؤال: كل مخلوق من البشر له قرين من الجن يوسوس بالشّر وقرين من الملائكة فهل كل انسان له قرين يناسب حاله فهل الفقير مثلاً قرينه مناسب له ومختلف عن قرين المثقف الغني؟ القرين يتطابق مع قرينه. القرين هو ما تنتهي الحالة إليه فإما تتطابق معه أو يتطابق معك فيجب أن يناسب كل انسان فلا يكون قرين الأميّ قرين مثقف. وكما قلنا فالتسمية للقرين تأتي في النهاية وليس في البداية فأنت وقرينك تجاهده فإما أن يكون في النهاية يتبعك أو تتبعه أنت وهذه هي حالة القرين. فالتسمية واقعة على ما ينتهي عليه الحال. عندما أغلب قريني مثلاً فلا يعني هذا أنه أسلم فقد أذهب للصلاة وأجاهد القرين الذي يحاول أن يقعدني عنها في المسجد لكن لا يدل هذا على أن هذا االقرين قد أسلم وإنما قد يوسوس لي في الصلاة وفي داخل المسجد. وإذا عدنا إلى آيات سورة الصافات التي تحدثنا عنها في الحلقة السابقة نجد أن الرجل الذي دخل الجنة تساءل مع أهل الجنة (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) وقلنا أنهم يتساءلون كيف أنقذوا من قوله تعالى (فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز) فقال قائل منهم (إني كان لي قرين) لا هو تطابق معه ولا القرين تطابق معه ولذا فالرجل في الجنة والقرين في النار وهذا يبين أنهم لم يتطابقوا ولم يتفقوا فيمكن أن يبقى الشخص على حاله والقرين على حاله ولم ينجح هذا الرجل أن يجعل قرينه يسلم كما حصل مع الرسول r. الآية في سورة الصافات تتحدث عن قرين الانس بدليل أن الحوار دار بين الاثنين فلم يقل له وسوسه وإنما قال (يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ (53)) فهذا قرين البشر والزمن الحالي كثر فيه قرين الانس عن قرين الجن وقلنا سابقاً ما قاله الحسن البصري عن أن قرين الجن أهون وأسهل عليه من قرين الجن لأن قرين الجن ينهزم بالاستعاذة بالله تعالى أما قرين البشر فلا تنفع معه الاستعاذة وإنما يسهّل عمل قرين الجن. والرسول r يقول لا تصادق إلا تقيّ حتى يعينك على قرين الجن. سؤال: ما الفرق بين القرناء والكتبة ولماذا استعمل (له) في قوله تعالى (نقيّض له شيطاناً فهو له قرين) مع القرناء و(عليكم) مع الكتبة في قوله تعالى (وإن عليكم لحافظين)؟ القرين في الآية الأولى المفروض أن نعيش الآية حتى لا يقول أحدهم أنه مقيض لي القرين وليس بيدي حيلة ولا الذنب ذنبي لكن يجب أن ننتبه أن قوله تعالى (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين) قال تعالى (نقيّض) ولم يقل (قيضنا) بمعنى أن الذي يبعد عن ذكر الرحمن نقيض له فالتقييض ليس من عند الله ابتداء ولكنه نتيجة ابتعاد الناس عن ذكر الرحمن وهذا ما ابتدأ به الانسان أولاً والله تعالى يعطي على حسب الانسان (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) و(في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا) . ولو قال تعالى في الآية (قيّضنا) لدلّ ذلك على أن الانسان ليس له ذنب لكن نقيّض تدل على أن الذي يقع على الانسان إنما يقع عليه لأنه ابتعد عن ذكر الرحمن اولاً فهذه نتيجة شرطية. ولهذا قال تعالى (له) القرين هو له سيبقى معه وإما أن يتم عليه نعمة الله تعالى قيتوب تعالى عنه فيبتعد القرين عنه وإما أن يبقى معه ليوم القيامة (له) تفيد أنه له والتكليف جاء من ساعة ما خرج عن القاعدة. أما الآية الثانية (وإن عليكم لحافظين) هؤلاء الحفظة الكتبة ليس لهم علاقة بالناس وإنما هم يكتبون ويسجلون ما يفعله الناس فقط أما الأول أي القرين فهو يتدخل فيك وفي اعمالك (افعل ولا تفعل ويوسوس ويزيّن) وقوله تعالى في تتمة الآيات (يعلمون ما تفعلون إن الابرار لفي نعيم وان الفجار لفي جحيم) هذا نتيجة الكتابة والملك يسجل عليك ما تقوم به بدون توصيف له لأنه (عليك) ولا يعلم بنيّتك أصادقة أم كاذبة هل ما تعمله فيه اخلاص النية أو فيه رياء وهذا لا يعلمه إلا الله تعالى (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) فالأعمال تكتب بواسطة قرين يسجل العمل فقط كما في قوله تعالى في سورة ق (قال قرينه هذا ما لدي عتيد) أي مهيّأ ومُعدّ وما فعله العبد سجله القرين هنا. أما (له) فلأن القرين يأمره بالسوء ويوجهه. سؤال: في سورة الزخرف قال تعالى (وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37)) هناك من يجادل ويقول أن ما يفعله هو صحيح وأنه من باب التجديد والحضارة والمدنية فما دلالة كلمة يحسبون؟ العلمانيين ومن على شاكلتهم هم هؤلاء مصدودين عن السبيل عن طريق الشيطان المقيّض ويحسبون أنهم مهتدون بقولهم وشعاراتهم أنهم يريدون التحديث والتعديل وهذا من باب التزيين. وقال تعالى في سورة الكهف (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)) يتهيأ لهم أنهم يحسنون صنعاً يوم القيامة ويكونون هم الأخسرون لأنهم لا يضعون أعمالهم على ميزان رسول الله r ولكنهم يعملون بمبدأ الحداثة. سؤال: في سورة الحجر الآيات مرتبطة بالقرين في البدايات الأولى عندما أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا إلا ابليس فما أصل القرين؟ ولماذا أُمِر ابليس بالسجود مع الملائكة؟ وأين قبيل الشيطان وذريته؟ قال تعالى (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (33) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (35) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38) قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42)) هناك لبس عند الناس عند سماع سجود الملائكة كلهم أجمعون إلا ابليس أن ابليس كان طاووس الملائكة وكان اسمه عزازيل وهذا كله كلام خاطئ ومن الاسرائيليات لأنه في آية أخرى قال تعالى (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (50) الكهف) وابليس لم يكن من الملائكة أبداً وإنما (كان من الجن) و (كان) فعل ماضي ناقص نتسخ أي أن ابليس طول عمره من الجنّ وابليس (ففسق عن أمر ربه) لأنه من الجنّ غلبت عليه صفته . والأمر بالسجود في الآية موجه من الله تعالى للملائكة وكان على ابليس أن يستجيب مع الملائكة لأمر الله تعالى مع أنه ليس منهم فالاستثناء يبيّن حالته واستثناؤه من تنفيذ الأمر الإلهي لأن صفة ابليس غلبت عليه. والاستثناء لم يكن من الكمية (أي الملائكة) ولكن من الصفة. (إلا ابليس أبى أن يكون مع الساجدين) قال تعالى (مع) ولم يقل (من الساجدين) أي أن ابليس جاءته فرصة أن يكون مع الملائكة في الطاعة وليس في التوصيف الخلقي لكن صفته غلبت عليه لأنه لم يكن منهم أصلاً لذا كل مرة يسجد الانسان لله تعالى يتحسّر ابليس ويقول يا ويلتي أُمرت بالسجود فلم أسجد. والسجود ليس السجود بفعله أي وضع الرأس والقديمن على نفس المستوى وإنما السجود هو قمة الخضوع والطاعة والتسليم. والسجود كان لآدم من حيث التوصيف ولكن من حيث التوقيع فهو لله تعالى وسجود الملائكة لآدم طاعة لأمر الله تعالى وتنفيذاً لأمره وفي هذه الآيات تلميح أنه عليك أن تحسّن كنهك وطبيعتك لأنها تغلب عليك وحتى لا يموت الانسان على معصية ويُبعث على ما مات عليه فلتكن دائماً عبداً طائعاً ولا تسلّم لمعصية حتى لا تموت عليها قبل أن تتوب وتذكر أن عدم سجود ابليس كان لمجرد خطأ فغلب عليه الشقاء الأبدي بهذه المعصية. سؤال: كيف نربط كلمة طاعة مع مفهوم كلمة مسلم؟ المسام هو الطائع أبداً أي المسلم لكل أوامر الله تعالى المنتهي عن كل نواهيه لأنه من عرِف الله خافه ومن خاف الله امتثل أوامره واجتنب نواهيه. سؤال: آدم كان له اختبار طاعة بمنعه من الأكل من الشجرة فما الفرق بين غلطة آدم وغلطة ابليس ولماذا لُعِن ابليس أبداً؟ لأن آدم لم يردّ الأمر على الله تعالى ولم يرفضه لكنه نسي (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (116) طه) ولكنه أكل من الشجرة ناسياً ولو شد أزره لتذكر لأن الطبيعة البشرية هكذا فأنت تعقد العزم على عمل ما ثم تتعب مثلاً فلا تفعله وتُقصّر أما ابليس فقد ردّ الأمر على الله تعالى واستكبر. وآدم u لما أكل من الشجرة لم يمت ولم يتسمم فهذا ليس سبب المنع ولكن القصة كلها تدريب على الطاعة بدون أن يكون في الممنوع ضرر ونتيجة عدم سماع كلام الله تعالى سيحصل له السقاء مثل خروج آدم من الجنة ومع أول معصية تعرّى آدم. ولنضرب مثلاً أن الكيميائي والأمي نهاهما الله تعالى عن شرب الخمر فالكيميائي يفهم الحكمة من وراء التحريم والأمي لا يفهمها والمطلوب من الاثنين الطاعة وهذا يرجعنا لقضية آدم والشجرة ولو فهم آدم u أو لم يفهم كان يجب أن ينفّذ الأمر والذي لا يسمع الكلام سيُعرّى ويصيبه الشقاء والتعب ويجب عليه أن يخاف أن تكون هذه آخر شيء يموت عليه. سؤال: يقول بعض الناس أن ما حصل في الجنة كله بسبب حواء عليها السلام وأنها زيّنت لآجم u الأكل من الشجرة فما رأيكم في ذلك؟ هذا كلام لا أصل له لا في القرآن ولا في السنة ولو كانت كذلك لكانت الآية (فوسوس إليها) لكن الآية جاءت (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (120) طه) مرة وهذا لأن الرجل قوّام على المرأة قائم على نفقتها وراحتها ورعايتها والاسلام أكرم المرأة منذ اليوم الأول وفي آية أخرى ذكر (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا) لأن التكليف والحساب للمرأة والرجل سواء وعندما أوقع الله تعالى النتيجة قال (فتشقى) وهذه حال الدنيا أن عبء الحياة والعمل والسعي يكون على الرجل أما المرأة معززة مكرّمة في الاسلام. والبيت المسلم يقوده الرجل فإما يأخذه لبرّ الأمان أو العكس وفي هذه الأيام النساء أيضاً يُحسنّ وهذه ظاهرة محمودة إن أتت ثمارها عند الرجل وأفادت أولادها. سؤال: لما حصّلت المعصية بسبب الكِبر قال ابليس (فأنظرني الى يوم يبعثون) فقال تعالى (فإنك لمن المنظرين) فلماذا سأل ابليس هذا السؤال ولماذا جاء رد الله تعالى علماً أنه لا يُسأل عمّا يفعل سبحانه؟ الآية تدل على أن الله تعالى لم يوافقه وسؤال ابليس يدل على خبث الشيطان وهو سلّم بصفته وكنهه أنه رجيم ملعون فقال (بما أغويتني) لأنه يريد أن يمر على الفترة التي فيها موت وينفذ من الموت فلم يقل الى يوم يموتون وإنما قال (إلى يوم يبعثون) وكأنه يريد أن يكسر كلام الله تعالى بأنه كل من عليها فان وكل شيء هالك إلا وجهه لكن الله تعالى ردّ عليه بتوقيع بديع (إلى يوم الوقت المعلوم) أي أنظره الى يوم الوقت المعلوم أي يوم النفخة الأولى التي يموت الناس فيها (فنفخ في الصور فصعق من في السموات والأرض) أي أن الموت سيأتي على الشيطان أيضاً بدليل قوله تعالى (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8) الجمعة) فالشيطان سأل بخبثه فأجاب الله تعالى بقدرته وعلمه من خبث ابليس أنه طلب من الله تعالى فقال (فأنظرني الى يوم يبعثون) وردّ الله تعالى عليه (إنك من المنظرين الى يوم الوقت المعلوم). محور تفكير ابليس عندما دخل لآدم مدخلاً معيناً في الجنة (جنة الأرض كما عرضنا في حلقات سابقة) قال له جملة تبيّن مده فهمه لكُنه الانسان الذي يحب الدنيا ولا يريد الموت وليس له نصيب في الآخرة ويسمع كلام الشيطان. وطلب تبليس بيّن طبيعته ومحور تفكيره يريد أن يمر على مرحلة الموت (الى يوم يبعثون) زيّن لآدم عن طريق الخُلد فلما نسي آدم عصى (ولقد عهدنا الى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما) ولو بحث عن قوة الارادة لما عصى. قوة الارادة عند البشر ضعيفة هذه الأيام فلو وجِدَت الارادة لما كانت صلاتنا وصيامنا وحجنا على ما هي عليه اليوم. ونحن يجب أن نأخذ من حوار ابليس المعنى المفيد لنا. نحن نستعيذ بالله تعالى (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم) عندما نريد أن نطرد الشيطان عنّا لأنه تعالى أعلم بحال الشيطان وحالنا والاستعاذة بالله تعالى معناها أنني أستعين بالقادر على الشيطان والذي يمكنه أن يتخلص منه. والرسول صلى الله عايه وسلم علّمنا الاستعاذة حتى عند الجُماع اللهم جنّبنا الشيطان وجنّب الشيطان ما رزقتنا. سؤال: لماذا أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم بالستر عند العلاقة الزوجية وهل أن الملائكة تستحي من هذا الأمر؟ هذا الكلام له أصل في الواقع وسواء أفهمنا الحكمة من قول الرسول صلى الله عليه وسلم او لم نفهمه فيجب علينا ان نطيعه ونسمع كلامه بدون جدال لأن الله تعالى قال عنه (ما ضلّ صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى) (أفتمارونه على ما يرى) (ما كذب الفؤاد ما رأى) وهذه الرؤية ليست رؤية بصرية فقط. وكلمة (قُل) في القرآن الكريم دلالة على أمانة الرسول صلى الله عليه وسلم. الرسالة كلٌ لا يتجزّأ عليك الطاعة العمياء تكن لك الجنة بإذن الله تعالى. سؤال: هناك العديد من المفكرين والكتّاب والمثقفين الذين يقولون أن القرآن يلغي العقل والتطور والمطلوب منا أن نكون كالأنعام نطيع بدون أن نُعمِل العقل فماذا تقول لهم؟ عندما شرحنا قوله تعالى (الله نور السموات والأرض) قلنا ان الله تعالى له نوران نور حسّي ونور مادي وقلنا أنه علينا كما نطفيء أنوارنا أمام نور الشمس فعلينا أن نطفيء كل المناهج أمام منهج الله تعالى فليس من البشر من يمكنه أن يضع منهجاً كمنهج الله تعالى. الكل يصلي بالفاتحة ولو أن الله تعالى ترك لكل منا أن يختار الصيغة المناسبة ليصلي بها فهل يمكن لأحدنا أن يأتي بصيغة أفضل من الفاتحة لقراءتها في الصلاة؟ بالطبع لا لأنه لو كان الأمر كذلك لجاء المثقف بنص منمق يختلف عن نص الأمي البسيط. الكل متساوي في الصلاة الأمي والمثقف والكاتب والجاهل يصلّون بصيغة واحدة ولكنهم يختلفون في الاخلاص والقلب والجِديّة. إعمال العقل يكون مع النص بالتدبر وإخراج المُراد منه ولازم المعنى والمعنى اللازم فإذا عجزنا عن فهم نقطة معينة نعمل بها على مُراد الله تعالى سواء فهمناها أو لم نفهمها بعقولنا البشرية القاصرة. سؤال: في سورة الحجر وقوله تعالى عندما رفض ابليس السجود لآدم (فاخرج منها فإنك رجيم) على ماذا يعود الضمير في (منها)؟ احتار المفسرون في هذه المسألة ونحن قلنا أنه عندما نريد أن نفسر كلمة علينا أن نقرأها في سياق الآيات التي قبلها وبعدها ونربط الضمائر . معنى كلمة رجيم هي من الرجم أي الملعون المطرود المحروم من رحمة الله تعالى وهذا جماع آراء المفسرين في كلمة رجيم. والهاء في منها تعود على كل واحدة من المعاني السابقة (ملعون، مطرود ومحروم من رحمة الله تعالى) وأنا أقول أن ابليس طُرِد من الرحمة لأنه كان سبباً في طرده من الجنة فالطرد من الرجمة يشمل كل المعاني التي اختلف فيها المفسرون. وآدم عليه السلام طُرِد من الجنة لكنه لم يُطرد من رحمة الله تعالى ولم يقل إخراج منها وإنما قال (اهبطوا واهبطا) وسبق أن قلنا أن هذا هبوط منزلة لا هبوط مكان تماماً كما جاء في قوله تعالى على لسان موسى لبني اسرائيل (اهبطوا مصر). فالأشمل في قوله (فاخرج منها) الطرد من الرحمة وهو يشمل الطرد من كل شيء: من معيّة الملائكة ومن الرحمة ومن الملآ الأعلى. سؤال: بعدما عرف ابليس عقابه كله قال (رب بما أغويتني لأزينن لهم صراطك المستقيم) فكأنه ينفي التهمة عن نفسه وأنه تعرّض للإغواء؟ الشيطان يريد أن يثبت لله تعالى وهذه نقطة يجب أن نسلّم بها فطبيعة ابليس وطبيعة الملائكة وطبيعة البشر كلها من خلق الله تعالى لكن الذي يجب أن نفهمه أنه لمّا استثنى ابليس (لأغوينهم أجمعين الا عبادك منهم المخلَصين) نفهم أن المخلَصين مستثنون رغماً عن الشيطان وليس تفضّلاًً منه. ولو قال تعالى (المخلِصين) لكانوا هم السبب في كونهم مخلصين لكن قوله تعالى مخلَصين تدل على أن الله تعالى هو الفاعل في اخلاصهم. ردّ الله تعالى عليه فقال (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) بفعل الله تعالى وإعمال منهم وهذا الكلام ليس لابليس سلطان على العباد وإنما على العبيد لأن عباد الله تعالى مستثنون لا تفضلاً من ابليس ولكن بأمر من الله تعالى. هم عملوا كما في قوله تعالى (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) وتحولوا من العبيد الى العباد. المخلَصين: هذه القضية تحلّ قضية احترنا فيها وهي مسألة المشيئة والى من ترجع (يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء) منهم من قال يغفر لمن يشاء هو ان يغفر الله تعالى له وهذا رأي أحترمه لكن يجب أن ننتبه لقوله تعالى (لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون الا أن يشاء الله) المشيئة لله تعالى أولاً ثم للناس فأنت لك مشيئة وإنما بفعل منك وفضل سابق من الله تعالى لا يمكن أن تكون المشيئة للبشر لأنه لا أحد يتمنى العذاب لنفسه فإذا فهمنا المشيئة أنها من الناس في (يغفر لمن يشاء) فكيف نفسّر (ويعذب من يشاء). وعلينا أن نقول دائماً الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله وهذا كلام أهل الجنة لأنهم علموا أنهم لم يدخلوا الجنة بعملهم (فمن زُحزح عن النار وأُدخل الجنة فقد فاز) فالحمد لله الذي هدانا في الدنيا للهداية فوفّقنا لأعمال تدخلنا الجنة فدخلنا. فالمخلَصين هم كذلك بفضل الله تعالى وفِعلهم. سؤال: ما الفرق بين حوار ابليس وحوار المشركين الكفار في النار؟ الذي نجا يقول (تالله إن كدت لتردين) كان على وشك الهلاك ودخول النار وقلنا في الحلقة السابقة أن (كدت) من كاد وهو من أفعال المقاربة والذي أنجاه الله تعالى بفضله وبيّن له السبب والعلّة (ولولا نعمة ربي لكنت من المحضَرين) أي لكان من المحضرين للعذاب. الكافرون في النار يتبرّأون من بعضهم. في سورة ق ذُكر القرين مرتان (قال قرينه هذا ما لدي عتيد) هذا ما سجله القرين على العبد أما الثاني (قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد) ولم تذكر الآيات ماذا أجاب القرين الآخر ولكن القرآن أوضح لنا من الآيات أن هناك متخاصمين بدليل قوله تعالى (لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد) لكنه لم يشرح في الآيات ماذا قال المتخاصمون. سؤال: في الحوار بين الشيطان وأتباعه هم يحاولون لومه وهو يتبرّأ منهم (لا تلوموني ولوموا أنفسكم) وقال تعالى (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان الا من اتبعك من الغاوين) فكيف يتحول القرين الى آمر وناهي وحاكم؟ كلمة قرين توصيف لحالة النهاية وليس البداية في العلاقة بين القرين والانسان ففي البداية هناك قرين يعرض وانسان يرفض فهذا لا يكون قرين سوء أبداً وهناك قرين عرض فوافق الآخر ثم عرض فوافق حتى بدأ يتحول من مقرون بِجنّ الى قرين سوء للبشر. سؤال: كثيراً ما نسمع جملة خطيرة يرددها العامة والناس البسطاء وهي قولهم أنا عبد مأمور وهذا التعبير فيه مشكلة من حيث التوصيف اللغوي ومن حيث منهج التفكير ويقولون طالما أنني عبد مأمور فلن أحاسب وهذا هو نفس الحوار الذي يدور في النار بين الشيطان وأتباعه فما خطورة هذه الجملة؟ إن كنا عبيد أو عباد فنحن عبد الآمر ووليس عبد المأمور لأن المأمور مأمور من أحد ولا يمكن أن أكون عبداً له لكن أكون تابعاً له في الأمر لأنه رئيسي مثلاً في العمل أو ما شابه لأنه لا عبد إلا لله تعالى على الناس أن يمتنعوا عن هذا القول وليقولوا هذا أمر من رئيسي. سؤال: الذي يعصي ويذهب باتجاه قرينه تتحول الوسوسة من مجرد مشورة سوء الى سلطان لا يمكن أن افلت منه. المولى سبحانه وتعالى يتحدث عن مشهد ثاني يوم القيامة (قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض)؟ الاستضعاف هنا ليس معناه تسليم للحرام ولكنه من حيث التوصيف هو واقع حال أنماس كثيرون فقير مالياً أو ضعيف الحيلة. وعندما دعا الرسول صلى الله عليه وسلم دعاء الطائف اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا ارحم الراحيم أنت رب المستضعفين وأنت ربي ) شكا ضعف قوته أي كان لديه قوة وحيلة وقال رب المستضعفين ولم يقل الضعفاء فالاستضعاف هنا لله تعالى. وتوصيف المؤمنون أنهم أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين. وقال تعالى (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا) فمن الرحمة أن تخفض لوالديك جناحك الذي هو سبب ارتفاعك وعلوّك تكون أمام والديك ذليلاً من رحمة الله تعالى أن الابناء أمام والديهم في قمة الذل وهذا ليس من منطلق الاهانة وإنما من منطلق الرحمة والأبناء لا يقدمون للوالدين فضل وإنما هو من باب رد الجميل على تربيتهم صغاراً (رب ارحمهما كما ربياني صغيرا)فهما ربياني بهذه الرحمة فأسأل الله تعالى لهما الرحمة وهذا يحتاج إلى تدبر قال تعالى (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر) فالقرآن ميسّر للذكر لكن لمن يدّكر. ما دلالة كلمة سلطان في قوله تعالى (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان)؟ لماذا أصبح سلطاناً؟ شارب الخمر مثلاً أو لاعب القمار قد يسرق أو يقتل حتى يحصل على المال الذي يبدده في شرب الخمر أو لعب القمار فتحول الخمر والميسر والزنا الى سلطان ويتحول الناس الى عبيد لهذا الحال فلا يمكن أن يخرج منه لأنه لا يعتصم بالله تعالى. في لحظة المعصية يترك الانسان معيّة الله تعالى وولايته ويذهب مع الشيطان فلا توجد معصية في معية الله تعالى فلا يمكن لأحد أن يعصي الله تعالى وهو في الصلاة. جاء في القرآن الكريم (ويأتون الزكاة وهم راكعون) كيف يمكن أن تزكّي وأنت راكع؟ الركوع المقصود هنا ليس ركوع الجسد لله تعالى وإنما الخضوع لله تعالى تحوّل ركوعك في الصلاة خاضعاً لله تعالى إلى حال فأصبحت خاضعاً لله تعالى في غير الصلاة. ولو\كنت مصلياً لا يمكنك أن تعصي. سؤال: قال تعالى (ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها) ما هي الهجرة هنا وكيف تتفق مع قول الرسول صلى الله عليه وسلم :لا هجرة بعد الفتح وإنما جهاد ونيّة ؟ لماذا يهاجر أهل مكة بعد فتح مكة ؟ أهل مكة هاجروا لما كان هناك كفر في مكة فلما فُتحت مكة انتهت الهجرة هجر وتحولت من هجرة مكانية الى هجرة حال فتهجر المعاصي وأنت في مكة فإذا استضعفت في هذا المكان فأرض الله تعالى واسعة ويمكنك الانتقال الى مكان لست فيه في معية الله تعالى إلى مكان فيه معية الله تعالى. والحديث الشريف عن الهجرة إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته الى الله ورسوله فهجرته الى الله ورسوله ومن كامنت هجرته لدنيا يصيبها او امرأة ينكحها فهجرته الى ما هاجر إليه فالنتيجة من جنس العمل ولمثل هذا فليعمل العاملون فإذا عملت لشهرة أو مال فإنه سيذهب وإذا عملت لله تعالى فهذا العمل باق. ةقال الشاعر: أموالنا لذوي الميراث نجمعها ودورنا لخراب الدهر نبنيها فمن بناها لخير طاب مسكنه ومن بناها لشرّ خاب بانيها فإذا عملت لله تعالى فالأجر مضمون أما إن كان لغير الله تعالى فلا وقال تعالى في الحديث القدسي أنا أغنى الشركاء عن الشِرك فمن عمل عملاً أشرك فيه معي غيري فأنا بريء منه وهو للذي أشرك آيات سورة الأعراف محور حلقة اليوم: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17)) معرفة العدو أول خطوة للخروج على سلطان الشيطان ومفاتيح الخروج من سلطان الشيطان موجودة في القرآن الكريم. آيات سورة الحجر (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42)) ذكرت لنا حقيقة ان الشيطان عدو للانسان وجاء فيها التكليف باتخاذ الشيطان عدواً فماذا نحتاج لأخذ الشيطان عدواً؟ قوله تعالى (إن الشيطان لكم عدو) هذا تقرير وقوله تعالى (فاتخذوه عدوا) هذا تكليف من الله تعالى للمسلم باتخاذ الشيطان عدواً. ولو أن الانسان العاصي استحضر العقوبة ساعة أراد فعل المعصية ما قدِم الى المعصية ولو تذكر الزاني مثلاً عقوبة الزنا وأنه يستتر من الناس جميعاً ولا يستتر من الله تعالى الذي سيقول له يوم القيامة: عبدي استحييت من الناس جميعاً ولم تستحي مني لماذا جعلتني أهون الناظرين اليك؟ لما أقدم على المعصية. تكليف الله تعالى للمسلمين باتخاذ الشيطان عدواً حتى يفكر في حيل الشيطان بالدخول للانسان وبهذا يتمكن الانسان من اغلاق البواب في وجه الشيطان بمفاتيح وأبواب كثيرة. يعرض القرآن الكريم كل ما قاله الشيطان والمسألة تعود ان الانسان ينسى في لحظة أن هذا اغواء أو تزيين أو عمل من اعمال الشيطان فيقع في المعصية. والتزيين أبوابه كثيرة وفي بعض الاحيان يشعر الانسان أن هذا التزيين هو حديث بينه وبين نفسه لا حوار بينه وبين الشيطان فكيف نميّز بين حوار النفس والحوار مع الشيطان؟ الفرق بين وسوسة الشيطان ووسوسة التنفس أن النفس تصر على معصية بعينها أما الشيطان فيوسوس للانسان في كل مجال سرقة، زنا، يوسوس في الصلاة او في صيام أو غيرها من العبادات لأنه يريد لأي معصية. التكليف من الله تعالى (فاتخذوه عدواً) تدل على عملية مقاومة وعمل شديد حتى يملّ الشيطان من الانسان ونتذكر قوله صلى الله عليه وسلم قال نعم لكن الله أعانني عليه حتى أسلم وقلنا سابقاً أن قوله صلى الله عليه وسلم (حتى أسلم) دليل على أنه عمل كثيراً معه حتى أسلم الشيطان وفي هذا توصيف لطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم للتكليف (فاتخذوه عدواً). الشيطان من ابليس وهو القرين الموكل بالانسان ومع الشيطان نبحث عن المفاتيح أما اذا كانت النفس هي التي تأمر بالمعصية يجب أن أحولها من نفس أمارة بالسوء الى نفس لوّامة. قال تعالى (ونهى النفس عن الهوى) فما الهوى؟ الدين نزل من السماء بمنهج فما بالك اذا خلطنا بين الدين والديانة ويظهر أننا لم نفهم الفرق بين الدين والديانة فالدين واحد والديانات متعددة (اي الرسالات) ولا يجب أن نقول أديان لأن الدين واحد وهو الاسلام فاليهودية ديانة دينها الاسلام والمسيحية ديانة دينها الاسلام. ومن الناس من يقوم بصناعة منهج على هواه فلا يقوم لصلاة الصبح في وقتها وإنما يؤخرها للساعة التاسعة أو غيرها ولا يبدو عليه الندم لأنه نام عنها في وقتها وللأسف نجد الكثير من المسلمين يعملون منهجاً خاصاً بهم ولو أنهم سخّروا النفس للطاعة لأغلقوا منافذ الشيطان والنفس الأمارة بالسوء. لو استيقظ الناس وقد فاتته صلاة الصبح في وقتها فشعر بالندم واستغفر ربه وصلّى عندما استيقظ ثم جاهد نفسه على الاستيقاظ في الايام التالية في وقت الصلاة لكان خيراً أما ما يحصل للأسف مع الكثيرين هو أنهم يحاولون تبرير عدم استيقاظهم للصلاة ويدافعون عن هذا الخطأ بقولهم لا بأس والله غفور رحيم وأنهم متعبون وغير ذلك من الأعذار ولو أنهم ندموا لكان خيراً لهم لأن الندم يستوجب التوبة والاستغفار ولو لم يندم هؤلاء فان تقصيرهم سيتكرر. وفي قوله تعالى في سورة الفجر (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15)) ثم قوله تعالى (وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16)) في الحالتين جاء الرد من الله تعالى (كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17)). الآيات يتكرر فيها محاولة الشيطان التنصل من خطئه والتهمة (قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38) قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) الحجر) وقال في آية أخرى (قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) هذه الايات وقع بعض المفسرين لها في الخطأ في تفسير قوله تعالى (فإنك من المنظرين) ولم يقل الى يوم الوقت المعلوم في آيات سورة الاعراف وكأنه يظهر أن الله تعالى استجاب لطلب الشيطان بانظاره الى يوم يبعثون وهذا غير صحيح ونقول أنه يجب عند تفسير الآيات في سورة الأعراف أن نشير الى آيات سورة الحجر لأن القرآن كلٌ لا يتجزأ في سورة الحجر استثنى الشيطان العباد المخلَصين وجاء الرد من الله تعالى بالاستثناء وتعديل الاستثناء (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) أي أن سلطان الشيطان سيكون على من اتبعه من الغاوين. والغاوون يأتون مقابل عباد الرحمن الذي جاء وصفهم في آيات سورة الفرقان. فالذي سيعبد الرحمن بمواصفات عباد الرحمن في سورة الفرقان يكون خارج وصف الغاوين والغاوين هم الذين سيقابلون الشيطان عند الصراط المستقيم (لأقعدن لهم صراطك المستقيم) والغاوي هو الذي يريد الغواية بنفسه وليس من سلطان الشيطان عليه لاغوائه. وصفهم الله تعالى بأنهم غاوون وليس بسلطان الشيطان عليهم ولم ينتظروا أن يغويهم الشيطان (الا من اتبعك من الغاوين ) ولم تقل الآية ممن أغويتهم وهذا دليل على أن الله تعالى نسب الغواية لهم وليس للشيطان. قال تعالى في سورة الأعراف (لأقعدن لهم صراطك المستقيم) فهل سيقعد الشيطان عند كل انسان يبحث عن المنهج حتى يوقعه؟ وإذا عرفنا اين سيقعد الشيطان يمكن عندها أن نغلق ابواب دخوله للانسان للتزيين والاغواء. البعض يفهم من كلمة (أغويتني) أن الله سبحانه وتعالى أغوى الشيطان فما هو الاغواء؟ وهل يقع بفعل فاعل أو يكون للشخص استعداد؟ آدم عليه السلام غوى بعد أن عصى بدليل الآية (فعصى آدم ربه فغوى) فالذي بدأ بالمعصية هو آدم والاغواء لا يأتي الا بعد المعصية حتى من الشيطان ولا تقع المعصية الا بعد أن يعش الشخص عن ذكر الرحمن (ومن يعش عن ذكر الرحمن تقيض له شيطاناً فهو له قرين). وبعض المفسرين قالوا أن معنى أغويتني أي أضللتني ولكن هذا خطأ فالمولى عز وجل بخِلقته للشيطان من نار دعاه الى الضلال فوافق الشيطان (دعوتني فاستجبت) والشيطان نفسه قال مثل هذا الكلام في الآية (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22) ابراهيم) فالاغواء عموماً هو دعوة وليس إضلال. قوله تعالى (فبما أغويتني) أي لما دعوتني يا رب وجعلت خِلقتي على هذا النمط. الطاعة جاءت في أمر يحبّه وهو منفّذها أي جاءت المعصية على هواه. ونلاحظ أن الآيات مرة جاءت بلفظ (بما) لتبيّن السبب ومرة (فبما) بمعنى فبالسبب. وكل ما يحصل هو في الأصل في منتهى علم الله تعالى وحكمته سبحانه الذي لا يُسأل عما يفعل. كان هناك أمر سجود مطلق والشيطان يعلم أن الله تعالى هو الذي أمره والله تعالى أمره بالسجود وهو سبحانه يعلم أن الشيطان لن يطيع الأمر والدنيا على مُراد الله تعالى ومن مراده تعالى أن يوجد شيطان ليس قاهراً وإنما يغوي هذا فيُضلّه ويحاول مع آخر فلا يوافقه. الشيطان وضّح المكان الذي سيعمل فيه وهذا فضل من الله تعالى حتى نتنبّه (لأقعدن لهم صراطك المستقيم). في آية قال تعالى على لسان الشيطان (لأزينن) وفي آية أخرى شرح أين يكون التزيين (لأقعدن لهم صراطك المستقيم) نحن نكرر (اهدنا الصراط المستقيم) في اليوم سبع عشرة مرة والشيطان سيحاول أن يبعدنا عن هذا الصراط المستقيم نحن لن نجد الشيطان في الخمّارات ودور القمار ولكن تجده في الصلاة والصيام والحج وسبق وتكلمنا كثيراً عن حججنا ولم نحج وصمنا ولم نصم وصلّنا وما صليّنا فاليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل. (لأقعدنّ) هذا تصريح واضح من الشيطان الذي سيتربص بكل مسلم على الصراط المستقيم ويبدأ من الشهادة وكثيراً ما نسمع بعض المؤذنين يقول في الأذان (اشهد أن سيدنا محمدا رسول الله) وهذا لا يصح لأن الاذان توقيفي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يجوز أن نزيد على الأذان ما لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يحصل هذا من محاولات الشيطان لابعاد المسلمين عن الصراط المستقيم وقد تبدو بعض الامور صغيرة ولا يرى فيها فاعلوها ضرراً ولكن علينا أن نذكر أن معظم النار من مستصغر الشرّ. أول الصراط المستقيم هو الشهادة ثم الصلاة والزكاة والصيام والحج. الشيطان كما قلنا دلّ على المكان الذي يبدأ عمله منه وهو مكان الطاعات. الطاعات تبدأ صعبة مع الانسان لأن الشيطان يبدأ من هذه المرحلة. المولى تعالى يبيّن أن الشيطان يقعد عند الصراط المستقيم لماذا وُصِف هذا الفعل (لأقعدنّ) فما معناه وما معنى أن يقعد الشيطان للمؤمنين عند هذا المكان؟ الشيطان يعلم ماذا يفعل. حالات القيام بعمل إما أن تقوم على أداء المهمة وإما تقعد على أداء المهمة وإما ترتخي وتضطجع على مهمة (قيام، قعود، اضطجاع) اختار لفظ القعود لأنها أكثر راحة له للقيام بالمهمة لا يريد القيام حتى لا يتعب ولا يريد الاضطجاع حتى حتى لا يتكاسل ففي حالة القعود لا يكون الانسان لا مجهداً ولا متكاسلاً فاختار تعالى لفظ (لأقعدن) وحالة القعود ليبيّن كم يعلم الشيطان عمله فهو عندما يقعد يعمل وهو مرتاح ونحن في لغتنا اليومية نستعمل هذا التعبير ولهذا اختار أحسن وضع يؤدي فيه مهمة الاغواء وهو مرتاح. قال تعالى (خُذ الكتاب بقوة) هل يدل هذا على أنه حتى نصل يجب أن نعمل بضمير وأمانة؟ الأخذ يكون بقوة وتوصيف القوة للأخذ لأن الكتاب يستحق هذا والكتاب قوي وعندما تأخذه تأخذه بقوة أي تتحرى الألفاظ والمعاني وتتدبر المعاني والتدبر هو الأخذ بالقوة. (لأقعدنّ لهم) ترصد كل واحد له واحد مكلّف، (ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) من هذه الآية نلاحظ أن الشيطان يأتي من أربع جهات (يمين وشمال) (أمام وخلف) وترك جهتين (فوق وتحت) فلماذا تركت هاتان الجهتان؟ جهة الفوقية حرسها الله تعالى لتطمئن وأنت تدعوه وجهة التحتية حرسها الله تعالى لك بقيامك وركوعك وسجودك. الذي يسرح في الصلاة يكون العيب منه وليس من الشيطان بدليل هذه الآية والجهات التي حرسها الله تعالى من الشيطان فكما قلنا التحتية جهة حرسها الله تعالى فلا يقربها الشيطان ولهذا لم تُذكر هاتات الجهتان مع الجهات الأخرى التي وردت في الآية. والتحتية تبدأ الصلاة قائماً ثم تركع ثم تسجد وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فمنع الله تعالى الشيطان من هذه الجهة ولو انتبه الانسان على هاتين الجهتين يقفل بذلك الأبواب على الشيطان. من أدعية الرسول صلى الله عليه وسلم (وأعوذ بعظمتك أن أُغتال من تحتي) فهل لهذا معنى مرتبط بما نقول؟ كان دعاذ الرسول صلى الله عليه وسلم الأساسي (اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا ولا تجعل الدنيا أكبر همّنا) عندما تأتي المصيبة في الدنيا يجب أن نهتم لها إن كنا مسلمين حقيقين أما أن تأتي المصيبة في الدين فهذه مصيبة. أكبر مصيبة في الدنيا هي الموت وإذا كان الميت من الصالحين علينا أن لا نحزن لأنه ينتقل من جوار الدنيا الى جوار الحقّ. أبو بكر الصديق وبلال رضي الله عنهما ساعة الموت كان أهلهم يبكون حزناً على فراقهم فقال أبو بكر (لا كرباه على أبيك بعد اليوم غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه) وكلك قال بلال (لا تقولي واكرباه قولي وا فرحتاه غداً ألقى الأحبة محمداً وصحبه). وعندما حضرت السيدة فاطمة في مرض أبيها صلى الله عليه وسلم همس في أذنها مرة فبكت ثم ثانية فتبسمت وعندما سُئلت قالت أنه في المرة الأولى أخبرها أنه سيموت فبكت ثم أخبرها أنها أول من تلحق به من أهله فتبسمت لأن المصيبة في الدنيا مقدور عليها أما أن تكون في الدين. الرجل الذي يموت أعماله سرٌ بينه وبين ربه لكن عندما أعلم أن فلاناً كان يصلي ويصوم ويحج وكان تواباً فهل أحزن إذا علمت بوفاته؟ حزني عليه يكون حزن فراق فقط. ولهذا نقول ونشدد أن الصلاة محورية جداً ولو صلُحت الصلاة صلُح الدين وهي أول ما يُسأل عنه العبد يوم القيامة والذي يصلي هو محروس ويقفل على الشيطان جهتين منهما تقفل باقي الجهات. والدعاء هو العبادة وهذه تدل على الفوقية وعندما يدعو الانسان يكون مطمئناً أن الشيطان ليس في هذه الجهة الفوقية. نسأل الله تعالى كما علّنا رسول الله صلى الله عليه وسلم (الله اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا) وهذا فضل من الله تعالى أن يمرض الانسان لأنه بذلك يستدرك نفسه قبل وفاته فيتوب ويعوّض ما فاته من تقصير وعلى المريض أن يجتهد وعلى المريض أن يحمد الله تعالى لأن مرضه هذا موت بإنذار. ومن الانذارات بالموت المشيب والمرض ومت الناس حولنا كلها من الانذارات حتى يستدرك العبد نفسه. قال تعالى (ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ) باستعمال (من) لأن المجيء بـ (من) يأتي بقرب وتلاصق وجاءت (من) للجهة التي ليس فيها أحد، أما قوله تعالى (وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ) باستعمال (عن) تعني يأتي بجفاء مرتقب وجاءت (عن) للجهة التي فيها ملك عن اليمين ملك وعن الشمال ملك فيأتي الملك عن حذر كما في قوله (عن اليمين وعن الشمال قعيد) لأن الملك قاعد ويعرف ان الشيطان سيأتي من هذه الجهة. فالانسان عنده جهتين مقفولتين حرسهما الله تعالى من الشيطان فعلينا أن نُغلق عليه باقي الجهات ونفتح باب الحسنات ونغلق باب السيئات. بُثّت الحلقة بتاريخ 17/7/2005م -------------------------------------------------------------------------------- عن أي حجاب تتكلمون ؟؟ أشرنا فى الفصل الأول إلى الحجاب وأثره على المرأة كانسان. وأثره على المجتمع، والأصل التاريخي القديم له، وسنعالج هنا فكرة الحجاب من منطلق إسلامى . وللحجاب فى النصوص قرآنا وسُنة وتراثا عدد من المضامين والصور أبرزها .. أولا: الحجاب القرآني : وردت كلمة الحجاب فى القرآن الكريم فى سبعة مواضع كالآتي: 1. ]وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاً بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ[. { الأعراف 46} 2. ]يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِ مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِ مِنْ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا[. { الأحزاب 53} 3. ] فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ[. { ص32} . 4. ]وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَِ[. { فصلت 5} 5. ]وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌِ[ { الشورى 51} 6. ] وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِيـنَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًاِ[. { الإسراء 45} . 7. ]فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّاِ[. { مريم17} . يتضح من هذا الذكر لكلمة الحجاب أنها لا تعني أبدا زيا، كما يتوهم الناس، وانما حجابا، قد يكون كالجبل الذي جعله الله دكا عندما تجلى له فى سورة الشورى وقد تكون أغلفة على القلوب أو حجابا بين المؤمنين والكافرين يوم القيامة أو كناية عن غروب الشمس .. وحتى فى الآية التي تعلق فيها الحجاب بنساء الرسول فان الصياغة كلها بدءاً من وإذا سألتموهن متاعا. فاسألوهن من وراء حجاب. تستبعد أن يكون المضمون زيا أنهم لن يسألونهن من وراء زى، ولكن من وراء ستر. من نوع ما يحجب السائل عن نساء الرسول . من هذا يتضح أن القرآن الكريم لا يستخدم كلمة حجاب بمعنى زي، وأن تفسيرها بهذا المعنى تفسير خاطئ وأن تعبير تحجبت لا يستقيم. مع المعنى القرآني لكلمة حجاب الا اذا كان الخطأ المشهور أولى من الصواب المهجور (30). على أن الملابسات التي أدت إلى هذا الحجاب الذي فصل ما بين زوجات الرسول، وعامة الناس بقدر ما تؤكد معنى الستر بقدر ما توضح وجاهة الاجراء. فقد كانت حجرات الرسول فى المسجد. وكان المسجد هو ملتقى النشاط العام ففيه تقام الصلوات وتعلن الأخبار والتوجيهات النبوية، ويحضر الوفود وينشد الشعراء. وعلى حوافيه يقيم فى صفه بعض فقراء المسلمين الذين ليس لهم ملاذ خاص ويوجد فيه الكرام البررة من الصحابة كما قد يوجد فيه المنافقون والذين فى قلوبهم مرض والأعراب الجفاة ، وقد لا يتورع أحد هؤلاء من أن يبول فى المسجد ! .. فى هذا المسجد بنيت تسع حجرات لزوجات الرسول خمس بنيت بالجريد المغطى بالتراب والأربع الأخرى من الحجر وكان على كل منها ستر وقيل ان لحجرة عائشة باب . وجاء فى سيرة بن هشام كانت بيوته عليه السلام تسعة، بعضها من جريد مطين بالطين وسقفها جريد، وبعضها من حجارة مرصوصة بعضها فوق بعض مسقفة بالجريد أيضا . وقال الحسن ابن أبي الحسن: كنت أدخل بيوت النبي عليه السلام وأنا غلام مراهق فأنال السقف بيدي . وكانت لحجراته عليه السلام أكسية من شعر مربوطة فى خشب عرعر. وفى تاريخ البخارى: أن بابه عليه السلام كان يقرع بالاظافير، أى لا حلق له . ولما توفيت أزواجه عليه السلام خلطت البيوت والحجر بالمسجد، وذلك فى زمن عبدالملك، فلما ورد كتابه بذلك ضج أهل المدينة بالبكاء كيوم وفاته عليه السلام . وكان سريره خشبات مشدودة بالليف بيعت زمن بنى أمية فاشتراها رجل بأربعة آلاف درهم انتهى (31) وليس من الصعب أن نتصور سذاجة هذه الحجرات، وخلوها من المتاع المألوف، وأنها فى المسجد، الذى هو الملتقى العام حيث يوجد بتعبير عمر البر والفاجر وكان منهم من يجلسون أمام حجرات زوجات الرسول ويكلمونهن أو يظهرون صورا من التطفل. وكان بعض العرب لا يعرف الاستئذان أو يرى فيه ذلة، كما حدث مع عيينة بن حصن عندما دخل على الرسول وكانت عائشة إلى جنبه دون استئذان فلما عاتبه الرسول أين الاذن يا عيينة قال هذا ببساطة انه لا يذكر انه استأذن مرة واحدة فى حياته.. ثم سأل الرسول عمن يجانبه فقال له هذه عائشة، فسأل الرسول أن يأخذها ويعطيه زوجته.. وهى لا تقل جمالا. فأفهمه الرسول أن هذا لا يجوز، وعجبت عائشة من جلافة الرجل وسألت الرسول عنه فقال لها انه أمير قومه.. وكان الرسول يطلق عليه الاحمق المطاع وهذه الواقعة – وقد تكون هناك وقائع أخرى مثلها – تبرر مطلب عمر بن الخطاب، من الرسول أن يحجب نساءه، واستمر الحال دون حجاب حتى حدثت واقعة معينة. قعندما أعرس الرسول بزينب بنت جحش أقام طبقا للتقليد الإسلامى وليمة دعا اليها بعض الناس وكانوا يأتون جماعات يأكلون ثم ينصرفون، ولكن ثلاثة ظلوا يتحدثون بعد أن أكلوا فى الوقت الذي كان الرسول يريد أن يدخل حجرته ولما كان الرسول شديد الحياء فقد تركهم ثم عاد بعد فترة فوجدهم لا يزالون فى حديثهم فتركهم وعاد بعد أن بدءوا فى الانصراف. وكان أنس بن مالك يقوم بخدمته فلم يكد الرسول يدخل حجرته حتى اسدل الستار دون أنس. فقد أنزل الله تعالى تلك الآيات التي اعتبرها الفقهاء آية الحجاب واعتبروا نزولها فيصلا بين عهدين وهى : ]يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِ مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِ مِنْ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا[. { الأحزاب53} . كانت الآية 53 من سورة الاحزاب ردا يتناسب مع خصوصية الواقعة، وما اتسم تصرف البعض من فجاجة فنزلت فوراً، قوية، صريحة، تعلم الناس آداب اللياقة والاستئذان وأصول الزيارة. فنصت أولا على عدم دخول بيوت النبي الا أن يؤذن لهم فاذا أذن لهم لتناول طعام فعليهم تناوله ثم الانصراف دون الجلوس ومطارحة القول وتبادل الأحاديث. وخصت الآية الزوجات بحماية خاصة تحجبهم عن الأعين الفضولية، كما تضمنت الآية تأديبا آخر هو أن ليس لهم أن يؤذؤا الرسول ولا أن ينكحوا أزواجه من بعده ولعل هؤلاء الذين كانوا يتطارحون الحديث فى مناسبة زواج قد تطرق بعضهم إلى مثل هذه الفكرة، أو أن الآية وجدت المناسبة بعد أن فكرة بعضهم فى هذا.. خاصة وأن الآيات من 50 حتى 53 كانت عن نساء الرسول، وحرمت احدى هذه الآيات 52 على الرسول أن يتزوج بعدهن أو أن يبدل بهن من أزواج . وهذه الآية التي أطلقوا عليها آية الحجاب واعتبروها نصا قاطعا فى وضع النقاب وعدم الخروج ليست فى حقيقة الحال الا تعليما للمسلمين آداب الزيارة والاستئذان وهى من هذه الناحية مقبولة للجميع، وتسرى على الجميع. فما يسوغ أن يدخل أي واحد على أي واحد آخر دون استئذان. وقد حدد القرآن آداب الزيارة فى الآيات 27 و28 و29 من سورة النور وكذلك الآيات 58 و59 من السورة نفسها . الآية المشهورة إذن – آية الحجاب – ليست فى حقيقتها إلا قطعة من الآداب يمكن أن يتضمنها أى كتاب عن آداب اللياقة والاتيكيت . وفى الوقت نفسه فان الاقرار فى البيوت – حتى بالنسبة لزوجات الرسول، ما كان يمنع محاورتهن ومخاطبتهن، وقد كانت عائشة تسمع من وراء حجابها أبا هريرة وهو يسرد أحاديثه سردا بطريقة تخالف طريقة الرسول، كما نعلم أن من الصحابة والتابعين من كانوا يسألونها وتجيب عليهم، وكانوا يستمعون صوت سواكها وهى تساك. مما يعنى أن الحجاب لم يكن مصمتا، وأنه كان ينقر بالاظافير . وجاء فى الأدب المفرد للامام البخاري.. حدثنا عبدالله بن صالح قال حدثني الليث قال حدثني عبدالرحمن بن خالد عن ابن شهاب عن عوف بن الحارث بن الطفيل وهو ابن أخي عائشة لأمها أن عائشة رضى الله عنها حدثت أن عبدالله بن الزبير قال فى بيع أو عطاء أعطته عائشة والله لتنتهين عائشة أو لأحجرن عليها فقالت أهو قال هذا قالوا نعم قالت عائشة فهو لله نذران لا أكلم ابن الزبير كلمة أبدا فاستشفع ابن الزبير بالمهاجرين حين طالت هجرتها اياه فقالت والله لا أشفع فيه أحدا أبدا ولا أحنث نذرى أبدا فلما طال على ابن الزبير كلم المسور بن مخرمة وعبدالرحمن بن الأسود بن عبد يغوث وهما من بنى زهرة فقال لهما أنشدكما الله الا دخلتما على عائشة فانها لا يحل لها أن تنذر قطيعتي فأقبل به المسور وعبد الرحمن مشتملين عليه بأرديتهما حتى استأذنا على عائشة فقالا السلام على النبى ورحمة الله وبركاته أندخل فقالت عائشة ادخلوا قالا كلنا يا أم المؤمنين قالت نعم أدخلوا كلكم ولا تعلم عائشة أن معهما ابن الزبير فلما دخلوا دخل ابن الزبير فى الحجاب واعتنق عائشة وطفق يناشدها يبكى وطفق المسور وعبد الرحمن يناشدان عائشة الا كلمته وقبلت منه ويقولان قد علمت أن رسول الله r نهى عما قد عملت من الهجر وأنه لا يحل للرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليالي قال فلما أكثروا التذكير والتحريج طفقت تذكرهم وتبكى وتقول اني قد نذرت والنذر شديد فلم يزالوا بها حتى كلمت ابن الزبير ثم اعتقت بنذرها أربعين رقبة(32) وجاء فى الأدب المفرد أيضا عن عائشة ان يهودا أتوا إلى النبي r فقالوا السام عليكم فقالت عائشة وعليكم ولعنكم الله وغضب الله عليكم قال الرسول مهلا ياعائشة عليك بالرفق وايك والعنف والفحش قالت أو لم تسمع ما قالوا قال أو لم تسمعي ما قلت رددت عليها فيستجاب لى فيهم ولا يستجاب لهم في (33) ومرة أخرى فان القرار فى البيوت ما كان يمنع الخروج منها اذا تطلبت الأمور ذلك وقد كان اجتهاد عائشة صائبا عندما خرجت لتصلح – كأم للمؤمنين – بين فريقين من المؤمنين وهى تعلم أن الرسول قال ان اصلاح ذات البين خير من الصلاة والزكاة الخ... وقد كاد مسعاها ينجح لو لا كيد الكائدين الذين أفسدوا عليها الأمر وتسببوا فى تلك الموقعة الرهيبة – موقعة الجمل التي وان دارت حول هودجها، فانها لم تكن مسئولة عنها، ولا جدال أن ذكرى هذا الحدث وتصور مئات الأيدي التي قطعت وهى تدافع عن هودجها كان يدفعها للبكاء. وأي شخص ولو كان كجلمود صخر – لا يبكى إذا وضع هذا الموضع ؟ وتذكر شلالات الدماء التى كانت تنبجس من مئات الأيدى دفاعا عنه .. على أن فى القرآن الكريم عددا من الآيات لم تتحدث عن حجاب على وجه التعيين، ولكن عن آداب العلاقة ما بين الرجل والمرأة. وهى الآيات التى يستشهدون بها على الحجاب والنقاب ومنع الاختلاط الخ... ومن هنا فمن الخير أن نثبتها حتى تكون تحت عين القارئ وليأخذ الفكرة الكاملة عنها . وجاءت هذه الآيات فى سورتي النور والاحزاب ويلحظ أن الطابع العام لهما هو تعليم المؤمنين الآداب والسلوكيات سوا ما كان منها بين الرجل والمرأة أو بين المؤمنين والرسول . وفيما يلى هذه الآيات .. أولاً: من سورة النور .. § ]قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ(30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوْ التَّابِعِينَ[. { النور31} § ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنْ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(58) وَإِذَا بَلَغَ الأطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(59) وَالْقَوَاعِدُ مِنْ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ[. {60 النور} ثانيا: من سورة الأحزاب .. § ]يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً(28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا[. { الأحزاب29} . § ]يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفًا[. { الأحزاب32} . § ]يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا(50) تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنْ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَوْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا(51) لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا(52) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِ مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِ مِنْ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا(53) إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا[. { الأحزاب54} . § ]يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا[. { الأحزاب59} . ويلحظ فى هذه الآيات 1. أمر بغض النظر موجه للمؤمنين وللمؤمنات على السواء وهذا يفترض ضمنا وجود امرأة لا تضع نقابا، ولا تحبس فى قعر بيتها اذ لو كان الأمر كذلك لما كان هناك معنى لغض البصر، فما من نظر إلى شبح أسود أو شخص ملثم، وكيف يتأتى النظر وراء الجدران. وقد يدل على هذا أيضا أن غض النظر ووجه المرأة مكشوف أمر طبيعى لأن الرجل لا يضع نقابا، ولا يتستر وراء الجدران(34) 2. تضمنت الآية {31 من سورة الأحزاب}. نهيا عن أن يبدى النساء زينتهن إلا ما ظهر منها وهذا الاستثناء يجّوز ظهور الزينة الظاهرة. ولا يعنينا كثيرا تفسير المفسرين لأنه ما من شك أن القرآن الكريم أراد بهذه الصياغة أن توجد مجالا للاجتهادات لا بد وأن يتفاوت الذى بدوره يخضع لتفاعل الضرورات والتطورات وللقيم الإسلامية، وفى رضا النفس والقل مقنع، ولو أراد القرآن حسما أو تحديدا لذكر التحديد . 3. نص {الآية 53} على أن يضرب النساء بخمرهن على جيوبهن فهنا نص على تغطية فتحة الصدر فى الثوب . 4. تضمنت الآية توجيها بأن لا يبدين زينتهن إلا لاثنى عشر فئة ضمت الأزواج وآباء الزوجات وأباء الأزواج والأبناء وأبناء الأزواج واخوانهن وأبناء اخوانهن وأبناء اخواتهن ونسائهن وما ملكت إيمانهن والتابعين غير ذوى الأربعة من الرجال والأطفال الذين لم يطلعوا على عورات النساء . هذا المجتمع الذي ضم فئات من الأقارب، كما ضم الصديقات أو الخدم (ما ملكت أيمانكم) والمسنين من الرجال والأطفال الصغار تستطيع المرأة أن تبدى زينتها أمامهم، ولم يحدد القرآن مضمون زينة، ولكن السياق يجعلها تقارب ما تبديه المرأة أمام زوجها والأقارب الأدنين الذين هم محارم اننا عندما نأخذ هذه الآيات على ظاهرها، وما يوحى به سياقها فيمكن القول إنها تفتح ثغرة كبيرة فى سد الحجاب، لأنها ليست فحسب تبيح الاختلاط بل أيضا ابداء الزينة لمجموعات يمكن أن يصل عددهن لمائة . وقد رجعت إلى التفاسير المعتمدة ابن جرير الطبرى، وابن كثير، والرازى لأعرف ماذا قالوا أمام هذه القضية فوجدتهم يعيدون ويزيدون فى شكليات وجزئيات وتفاصيل فما هى الزينة وما هى الزينة الظاهرة والباطنة وتعريف كل فئة من الفئات المستثناه دون أن يعرضوا لما يمكن للمرأة أن تبديه أمام هذه المجموعة المخصوصة التي أباح الله لها الاختلاط، وأباح لها ابداء الزينة أمامها، ولكنهم تجاهلوا هذه النقطة وركزوا الحديث على الزينة الظاهرة التى يجوز إبداؤها للأغراب وهى الوجه والكفين.. وتجاهلوا طويلاً التفرقة الهامة والمميزة للفئات المستثناة فلما ألجأتهم الضرورة أمام النصوص جاء حديثهم ملتبساً، غامضاً لا يكاد يبين، ومتعارضاً، وكأنه عز عليهم التفرقة فجاءوا بأقوال تطمسها كما هو ظاهر بوجه خاص فى تفسير الطبرى الذى عرض عدداً كبيراً من الآراء المتعارضة والمتداخلة. منها أن الزينة التى تبدى لهذه الفئات هى الخلخال والقرط والدملج، وما أمرت بتغطيته بخمارها – وكأنه لا يريد أن يقول الجيب أو الصدر – وما وراء ما أبيح لها كشفه وإبرازه فى الصلاة وللأجنبين من الناس. والذراعين إلى فوق ذلك إلا لبعولتهن. وقيل هذا ما فوق الذراع وقيل ما فوق الجيب وقيل قرطاها وقلادتها وسوارها. فأما خلخالاها ومعضداها ونحرها وشعرها فإنه لا تبديه إلا لزوجها وقيل الطوق والقرطين (تفسير بن حرير الطبرى الصفحات 93، 94، 95 من الجزء 18 الطبعة الأولى بولاق سنة 1328 وقد اختصرنا ذكر السند وبعض الإضافات رحمة بالقراء) . أما ابن كثير فقد ذهب فى بعض الروايات إلى أنه بالنسبة للمحارم يجوز للمرأة أن تبدى زينتها ولكن من غير تبرج. (ص 101 الجزء السادس طبعة المنار سنة 1347) . وجاء فى تفسير البغوى المطبوع تحت تفسير ابن كثير أنه يجوز لهؤلاء أن ينظروا إلى الزينة الباطنة ولا ينظرون إلى ما بين السرة والركبة. (ص99 ج6). وكان الرازى فى تفسيره مفاتيح الغيب أكثرهم تفصيلا. إذ قسم المجموعة إلى ثلاثة أقسام فجعل الزوج وحده قسما، وله أن ينظر إلى زوجته كما يشاء وإلى كل شئ فيها. أما الابن والأب والأخ والجد وأبى الزوجة وكل ذي محرم، والرضاع كالنسب يجوز لهم أن ينظروا إلى الشعر والصدر والساقين والذراع وما أشبه. أما التابعين غير ذوى الاربة من الرجال وكذلك مملوك المرأة فلا بأس أن تقوم المرأة الشابة بين يدى هؤلاء فى درع وخمار صفيق بغير ملحفة، ولا يحل لهؤلاء أن يروا فيها شعرا ولا بشراً والستر فى هذا كله أفضل. (ص182 ج23 – دار الكتب) . وأردنا أن نخلص من عالم الأسلاف إلى عالم المعاصرين فوجدنا أن الشهيد سيد قطب بعد أن ذكر الآية قال فى الظلال هذا التحشم وسيلة من الوسائل الوقائية للفرد والجماعة.. ومن ثم يبيح القرآن تركه عندما يأمن الفتنة. فيستثنى المحارم الذين لا تتوجه ميولهم عادة ولا تثور شهواتهم وهم : الأباء والأبناء وأباء الأزواج وأبناؤهم، والاخوة وأبناء الاخوة، وأبناء الاخوات.. كما يستثنى النساء المؤمنات: أو نسائهن فأما غير المسلمات فلا. لأنهن قد يصفن لأزواجهن واخوتهن، وأبناء ملتهن مفاتن نساء المسلمين وعوراتهن لو اطلعن عليها. وفى الصحيحين: لا تباشر المرأة المرأة تنعتها لزوجها كأنه يراها.. أما المسلمات فهن أمينات، يمنعهن دينهن أن يصفن لرجالهن جسم امرأة مسلمة وزينتها.. ويستثنى كذلك ما ملكت أيمانهن قيل من الاناث فقط، وقيل: ومن الذكور كذلك. لأن الرقيق لا تمتد شهوته إلى سيدته. والاول أولى، لأن الرقيق انسان تهيج فيه شهوة الانسان، مهما يكن له من وضع خاص، فى فترة من الزمن ويستثنى التابعين غير أولى الأربة من الرجال.. وهم الذين لا يشتهون النساء لسبب من الأسباب كالجب والعنة والبلاهة والجنون .. وسائر ما يمنع الرجل أن يشتهي نفسه المرأة. لأنه لا فتنة هنا ولا إغراء.. ويستثنى الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء.. وهم الأطفال الذين لا يثير جسم المرأة فيهم الشعور الجنسى.. فإذا ميزوا، وثار فيهم هذا الشعور – ولو كانوا دون البلوغ – فهم غير داخلين فى هذا الاستثناء . وهؤلاء كلهم – عدا الأزواج – ليس عليهم ولا على المرأة جناح أن يروا منها، الا ما تحت السرة إلى تحت الركبة. لانتفاء الفتنة التي من أجلها كان الستر والغطاء. فأما الزوج فله رؤية كل جسدها بلا استثناء. ( ص96 الجزء الثامن عشر – الطبعة الأولى – طبعة عيسى البابلى الحلبى وشركاءه) والكلام الذى جاء فى الظلال هو أقرب الكلام إلى سياق الآية، وهو أيضا الذى يلحظ الحكمة فى التشريع إلا وهى أنهم محارم فانتفى مبرر التحجب وبمقتضى هذا التفسير فان هذه المجموعة التي يمكن أن تبلغ المائة أو تزيد (خاصة وان ما يحرم من الرضاعة يحرم من النسب). ويمكن للمرأة المسلمة أن تجلس معهم، وهى مرتدية زيا يمكن أن يكشف عن جسمها باستثناء ما بين السرة والركبة . هذه آية موجودة فى صميم آيات الحجاب وهى مع هذا توجد مجتمعا مختلطا كأشد وأوثق ما يكون الاختلاط . فهل يحقق هذا فى أي مجتمع اسلامي أم أن المسلمين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعضه . لقد غرس القرآن الكريم واحة مونقة وسط صحراء الأعراف الجاهلية القاحلة فى شكل مجتمع مختلط يمكن أن يضم مائة ما بين رجل وامرأة يجتمعون معا، ويمكن للمرأة أن ترتدى من الأزياء ما تشاء بشرط أن لا يتعدى ما يكشفه ما بين السرة والركبة. أي يدخل فيما يباح ما يسمونه الديكولتيه الذي يكشف عن الصدر والظهر. ويلبس عادة فى مناسبات السهرة ولكن شيئا من هذا ما كان ليخطر فى بال العرب الجفاة فى الجاهلية القديمة والمسلمين المعاصرين الذين يعيشون جاهليتهم الجديدة. بل أن من المحتمل أن يرموا من يقول هذا بالزندقة والزيغ والكفر والتحلل الخ... وهو لا يأتى بسوى ما جاء به القرآن .. * * * تضمنت سورة النور آيات عديدة عن آداب الاستئذان (الآيات 27 و28 و29). التى نصت على عدم دخول البيوت حتى يستأذن ويسلم على أهلها. فان لم يكن بها أحد، فلا دخول حتى يؤذن لكم، وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا ونصت الآية 28 على أنه إذا كانت البيوت غير مسكونة أى أنها ليست للسكن الخاص ولكنها محال عامه فلا حرج فى دخولها وعادت السورة فى الآيات من 58 إلى 60 إلى هذا الموضوع نفسه فنهت عن الزيارة قبل صلاة الفجر, وفى الظهيرة، وبعد صلاة العشاء. لأن هذه الأوقات هى التي يتخفف فيها الناس من ثيابهم وأوجبت الآية 59 الاستئذان على الأطفال اذا بلغوا الحلم وأن يستئذنوا كما يستأذن الكبار0 (35) وأباحت الآية 60 للمسنات من السيدات أن يخففن من الثياب دون أن يتبرجن بزينة وهذا هو الأليق بهن .. ثانيا : سورة الأحزاب .. تماثل سورة الأحزاب سورة النور فى طابعها التهذيبي والسلوكى. ولكنها تتميز عنها بأن منها آيات عديدة خاصة بالرسول، وما يجب على المؤمنين تجاهه من توقير، وتمتد هذه الخصوصية من شخص الرسول إلى نسائه . وفيما يلى إجمال ما تعرضه الآيات من توجيهات أو أوامر أو نواه . تبدأ الآية الخامسة فى الحديث عن خصوصيات الرسول فنقول أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهذه الخصوصية ليست لأحد من الرجال، وكذلك بالنسبة لزوجاته – فلا تطبق على النساء الآخريات – وسنرى أن هذا النسق ينتظم الآيات التى ستتلو، والتى تتحدث عن النبى ونسائه . 1. فى الآية 28 التى يطلق عليها آية التخيير يخير الرسول نساءه بين الحياة الدنيا وزينتها وبين الله ورسوله. والنتيجة معلومة طبعاً فما كان هناك شىء يعدل الله ورسوله .. 2. وتقرر الآية 39 مضاعفة العذاب ضعفين لمن يأت من زوجات الرسول بفاحشة مبينة، وهذا بالطبع ما لا يصدق على النساء الأخريات . آيات {31، 32، 33، 34}. هى من الآيات التى يربطون ما بينها وبين آية الحجاب وهى التى تبدأ يا نساء النبى لستن كأحد من النساء. وختمت بالآيات ]إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا(33) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فى بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا(34) [. وكل منصف نزيه لا يحمل فكراً ذاتياً سابقاً، ولا يطوع الآيات أو يتطفل عليها يرى أن الآيات محددة، مغلقة، منحصرة على نساء الرسول اللائي لسن كأحد من النساء، وأنهن أهل البيت و ما يتلى فى بيوتكن فأى شىء أصرح أو أكثر بيانا فى خصوصية هذه الآيات وأنها مقصورة على نساء الرسول، إلا إذا أردنا أن نتقول على القرآن ما لم يقله .. وعلى أى حال، فإن الشىء الجديد البارز فى الآيات هو وقرن فى بيوتكن وهو نوع من تكريم زوجات النبى اللاتى لسن كأحد من النساء، فلا يفترض فيهن السعي فى الأسواق أو الاختلاط بالعامة . على أن هناك تفسيراً لكلمة قرن فى بيوتكن أورده الطبرى عندما قال اختلف القراء، فمنهم من قرأ وَقرن (بفتح القاف) فالمعنى أقررن فى بيوتكن من القرار ومنهم من قرأ (وقِِرن) بكسر القاف فالمعنى كُنَّ أكثر وقاراً وسكينة (من الوقار) . ثم قال وهذه القراءة (أى الثانية) أولى عندنا بالصواب لأن ذلك إذا كان من الوقار كما أحذنا فلا شك أن القراءة بكسر القاف(36) وهذا المعنى الذى رجحه الطبرى يقلب تصورات دعاة الحجاب والاحتباس فى البيوت .. 1. تتابع الآيات {50 و51 و52} الحديث عن خصوصيات الرسول وعلاقاته بزوجاته. وهى تسير فى الاتجاه نفسه الذى سارت فيه الآيات من {31 – 34} من ناحية الخصوصية على الرسول ونسائه. وكأنها تقابل خصوصيات الرسول بعد أن وضحت خصوصيات نسائه هى تعطى الرسول حقوقاً خاصة ترجى من تشاء منهن وتؤوى إليك من تشاء إلخ... وتحرم عليه فى الوقت نفسه النساء. أو أن يبدل أزواجه ولو أعجبه حسنهن . تأتى الآيات الحاسمة {52 و53} وقد بدأت بأداب الاستئذان والتى تضمنت النص وإذا سألتموهن متاعاً فأسألوهن من وراء حجاب وقد تحدثنا عن الآية وملابساتها فى مستهل الفصل. والآية مثل الآيات 31 و32 فى إبراز الخصوصية لنساء النبى بصورة تستبعد اشتراك الآخرين فيه على نقيض ما ذهب إليه المفسرون وتستطرد الآيات فى الحديث عن نساء الرسول وعن شخص الرسول ويختم إن الله وملائكته يصلون عن النبى يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما {56} . § إذا كانت الآيات السابقة واضحة فى خصوصيتها لنساء النبى والنبى نفسه، فإن الآية 59 تشرك مع أزواج الرسول نساء المؤمنين وتطلب من الجميع أن يدنين عليهن من جلابيبهن. وبُنى ذلك على أنه أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وبصرف النظر عن تفسيرات الفقهاء فلا جدال أن أى امرأة تلتزم الحشمة تكون أبعد عن الأذى والتطفل من أخرى متبذلة أو متبرجة كأنها تستدعى الإيذاء أو توحى بعدم مقاومتها فالآية قائمة على منطق سليم تماماً . ولكن اختلف فى تفسير الإدناء فالمفسرون القدامى يفسرونها ستر الوجه بقناع أى أن الإدناء يتجه نحو الوجه والرأس ولكن الفسرين المحدثين يذهبون إلى أنه ما قد يكون أقرب إلى تعبير كلمة الإدناء فيقولون إنه تطويل الثوب، وإلى هذا ذهب الشيخ الشعراوى فى العديد من أحاديثه ... وقد استخدم القرآن الكريم تعبير يدنين كما استخدم من قبل ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها لأنه يتقبل كما ذكرنا آنفا الاجتهادات التى تتلاءم مع التطورات أو أن يستقر فى النفس والضمير المعنى العام بحيث يستصحب العملية ويوجهها . وهناك تعليق فقهى على الآية تقدم به الشيخ عبد المتعال الصعيدى فى كتابه فى ميدان الاجتهاد ص45 تعليقا على الآية ] يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا[. إذ قال وإنى أرى أن لا دلالة فى هذه الآية على وجوب ذلك النقاب لأن الصيغة يا أيها النبى قل لا تدل على الوجوب لأن الأمر بالأمر بشىء لا يدل على وجوب هذا الشىء كما هو مذهب جمهور علماء الأصول، ولأن قوله ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين مما يدل على أن ذلك لا يدفع الفساد حتما، وإنما هو أدنى إلى دفعه ومثل هذا يكون مندوبا لا واجبا . واستعراض كل ما جاء فى القرآن الكريم عن المرأة يوضح أن الحجاب لم يرد إلا بالنسبة لزوجات الرسول وأن هذا الحجاب ليس زياً ولكنه ستار يحول دون الدخول دون استئذان، وهو الأمر الذى يفترض لأقل الناس فضلاً عن زوجات الرسول . وليس فيما عرضنا من آيات تحديداً صريحاً ومباشراً لزى وإن كان هناك مثل هذا فهو بالنسبة لتغطية فتحة الصدر فى أثواب النساء أما بقية التوجيهات والأوامر فقد صيغت فى عبارة عامة، مرنة، تعطى المعنى ولكنها لا تحدد الشكل تفصلياً . وأكد القرآن بصريح العبارة أن نساء النبى لسن كأحد من النساء وأن لهن خصائص تميزهن تماماً كأن يكن أمهات المؤمنين وكأن لا يتزوج الرسول عليهن وكأن لا يتزوجن بعد الرسول، والأمر بالقرار فى البيوت. والحجاب هو من هذه الخصوصيات ومده على النساء كافة افتيات صريح على القرآن وتطفل عليه ومخالفة لما أراد وقد أساء الذين قاموا بذلك وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً . وقد كان الصحابة أنفسهم يعلمون أن الحجاب هو من خصوصيات الرسول. وعندما أسرت صفية وآلت إلى الرسول تساءل المسلمون هل يتخذها زوجة أو أمة. فلما حجبها عرفوا أنه تزوجها وحدث ما يوؤكد هذا من الناحية السلبية عندما شك أبو بكر فى امرأة هل تزوجها الرسول أم لا. فقال عمر أنه لم يتزوجها لأنه لم يضرب عليها الحجاب . وكل ما أورده المفسرون (ابن كثير – الطبرى والجصاص) وغيرهم ليدللوا على أن الآيات التى نزلت خاصة بنساء النبى تنسحب على نساء المؤمنين واضح الركاكة والافتعال وينبغى ألا يوخذ به . كما أن الإدعاء بأن سفور المرأة المسلمة فى عهد الرسول واختلاطها بالرجال مع ما يفترض للمرأة المسلمة من احتشام وحرص على الكرامة كان قبل نزول آية الحجاب إدعاء سقيم أولاً لأن آية الحجاب نزلت خاصة لنساء النبى فلا يقاس العام بالخاص ولا معنى للقول بالنسبة لتصرفات سائر النساء أنها كانت قبل آية الحجاب. وثانيا لأن تصرفات المرأة المسلمة فى عهد أبى بكر وعمر كانت تصرفات نساء قويات الشخصية، عاليات الصوت، لهن فعالية فى المجتمع. حتى فى عهد الرسول. وبعد نزول آية الحجاب فان عددا كبيرا من النساء حارين فى هوازن وفى خيبر، ولا يمكن لامرأة أن تحارب وهى مغطاة الوجه، وقد واصلت الصحابية الجليلة نسيبة أم عمارة حياتها الجهادية التى بدأت بمشاركة الرسول فى أحد وبقية الغزوات حتى واصلت المسيرة فحضرت غمار أشد معركة مع مسيلمة وقطعت فيها ذراعها. بينما كانت أم سليم تركب الأسطول الإسلامى المتجه إلى قبرص لتشارك الغزاة(37) وأين يذهبون من هذا النص الصريح ؟ ]المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر[ فكيف يأمر الله النساء بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر اذا كن محبوسات فى البيوت ممتنعات عن الخروج وبأي سلطان يقصرون الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر على النساء دون الرجال أي ليس على النساء أن يأمرن بمعروف أو ينهين عن منكر يخص عالم الرجال وإنما إطار ذلك محصور بالنساء فحسب والآية تقول ]بعضهم أولياء بعض[ . والآية الأخرى تقول ]ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف[ ولا تعطى الرجال من ميزة إلا درجة مهما وسعت فليست الا درجة . * * * أخيرا جداً علينا عندما نفسر آيات القرآن الكريم أن نضع نصب أعيننا أن القرآن انما نزل ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، من الجهالة إلى المعرفة وليضع عنهم اصرهم والأغلال التى كانت عليهم. فالقرآن يهدف للمعرفة والحرية. ويجب أن تفسر الآيات فى ضؤ هذا الهدف الأمثل الذى جاء به القرآن بحيث يعد كل تفسير يدعو للانغلاق والتقييد والتجهيل مجافيا لروح الإسلام ومقاصده العليا، ولا يكون مستحقا للاتباع مهما كان قائله . ------------------------------------
كتبها احمد السويسى في 03:29 صباحاً ::
لا يوجد تعليق
الاسم: احمد السويسى
