رجال الامل

السبت,كانون الأول 15, 2007


جماع أخطاء المصلّين في ثيابهم وستر عوراتهم في الصلاة * تمهيد . * الصّلاة في الثّياب الحازقة التي تصف العورة . * الصّلاة في الثّياب الرّقيقة الشّفافة . * الصّلاة والعورة مكشوفة . * صلاة مُسْبلِ الإزار . * سدل الثّوب والتلثّم في الصّلاة . * كفّ الثّوب في الصَّلاة ((تشميره)). * صلاة مكشوف العاتقين . * الصَّلاة في الثَّوب في الذي عليه صورة(1). * الصَّلاة في الثَّوب المعصفر . * صلاة مكشوف الرأس . * تمهيد : أخرج مسلم في ((صحيحه )) بسند إلى أبي عثمان النَّهدي قال :كتب إلينا عمر ، ونحن بأَذْرَبِيجَان : يا عُتْبةُ بن فرْقَد !! إنه ليس مِن كَدِّك ولا مِنْ كَدّ أبيك ، ولا مِنْ كَدّ أُمّك ، فأشبع المسلمين في رحالهم ، مما تشبع منه في رحلك(1) ، وإيّاكم والتنعُّم ، وَزِيٍّ أهل الشّرك ، وَلَبُوس الحرير(2). وجاء في (( مسند علي بن الجعد )) : ((…فائتزروا وارتدوا وانتعلوا وألقوا الخفاف وألقوا السراويلات ، … وعليكم بلباس أبيكم إسماعيل ، وإيّاكم والتنعيم وزيّ العجم …))(3). وأخرج وكيع وهناد في (( الزهد )) عن ابن مسعود قال : (( لا يشبه الزي الزي ، حتى تشبه القلوب القلوب ))(4). وكلام عبد الله بن مسعود مأخوذ من قوله r : ((من تشبّه بقوم فهو منهم ))(5). ولهذا : أمر عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ رعيته أن يلقوا الخفاف والسراويلات ، كما أمرهم بغير ذلك من لبوس العرب وعاداتهم ، ليحافظوا على مشخصاتهم ، فلا يندفعوا في الأعاجم . وإن في تشبه أفراد أمتنا بأعدائهم في اللباس وغيره ، دليلاً على ضعف التزامهم وسلوكهم ، وأنهم مصابون بداء التلوّن والتمرّغ ، وأن سيرتهم متخلخلة لا قرار لها ، وأنها كمادة سائلةٍ ، مستعدّة للانصهار في كل قالب في كل حين ، وفوق هذا : فإن هذا النوع من التشبّه ، فعلة شنيعة ، مثلها كمثل رجلٍ ينسب نفسه إلى غير أبيه !! والذين يسلكون هذا المسلك وهذا السبيل : لا هم من الأمّة التي ولدوا فيها ، ولا من الأمة التي يحبّون أن يعدّوا منها : { لاَ إِلَى هَـؤُلاء وَلاَ إِلَى هَـؤُلاء }(1). وقد يقال : لِمَ لَمْ يقاوم العلماء المسلمون هذه العادات ، قبل استفحال أمرها ؟ والجواب : أنهم قاوموها كأشدّ ما تكون المقاومة (2)، بيد أن سنّة تأثر المغلوب بالغالب ، لم تنجح معها مقاومة العلماء ، فتورط في عادات المشركين ولباسهم كثيرٌ من المسلمين ، بل كثير ممن ينتسبون إلى العلم ، فكانوا مثالاً سيّئاً للمسلمين ، والعياذ بالله تعالى(3). ويزيد الطّين بِلّة : أن منهم مَنْ يعتذرون عن الصّلاة ، بأنها تحدث في السراويل ((البنطلون)) تجعّداً يشوّه مَنظره !! سمعنا هذا بآذاننا من كثيرين . ويزيد الطّين بِلّة أيضاً : [1] * الصّلاة في الثّياب الحازقة التي تصف العورة : لبس الثياب الحازقة الضّاغطة مكروه شرعاً و طبّاً ، لضررها بالبدن ، حتى إن بعضها يتعذّر السجود على لابسه ، فإذا أدّى لبسها إلى ترك الصّلاة حرم قطعاً ، ولو لبعض الصّلوات . وقد ثبت بالتجارب أن أكثر مَنْ يلبسونها لا يصلّون ، أو إلا قليلاً كالمنافقين !! وكثير من المصلّين هذه الأيام ، يصلّون بثيابٍ تصف السّوأَتيْن : إحداهما أو كلتيهما !! وحكى الحافظ ابن حجر عن أشهب ، فيمن اقتصر على الصّلاة في السّراويل مع القدرة : يعيد في الوقت ، إلا إن كان صفيقاً ، وعن بعض الحنفيّة يكره(1). هذا عن سراويلهم الواسعة جداً ، فما بالك في ((البنطلون)) الضّيق جدّاً !! قال العلاّمة الألباني : ((و((البنطلون)) فيه مصيبتان : المصيبة الأولى : هي أن لابسه يتشبّه بالكفّار ، والمسلمون كانوا يلبسون السراويل الواسعة الفضفاضة ، التي ما زال البعض يلبسها في سوريا ولبنان . فما عرف المسلمون ((البنطلون)) إلا حينما استعمروا ، ثم لما انسحب المستعمرون ، تركوا آثارهم السيئة ، وتبنّاها المسلمون ، بغباوتهم وجهالتهم . المصيبة الثّانية : هي أن ((البنطلون)) يحجّم العورة ، وعورة الرجل من الرّكبة إلى السرّة . والمصلي يفترض عليه : أن يكون أبعد ما يكون عن أن يعصي الله ، وهو له ساجد ، فترى إِِليتيه مجسمتين ، بل وترى ما بينهما مجسماً !! فكيف يصلي هذا الإنسان ، ويقف بين يدي ربّ العالمين ؟ ومن العجب : أن كثيراً من الشباب المسلم ، ينكر على النساء لباسهن الضيّق ، لأنه يصف جسدهن ، وهذا الشباب ينسى نفسه ، فإنه وقع فيما ينكر ، ولا فرق بين المرأة التي تلبس اللباس الضيّق ، الذي يصف جسمها ، وبين الشباب الذي يلبس (( البنطلون )) ، وهو أيضاً يصف إِليتيه ، فإلية الرجل وإلية المرأة من حيث إنهما عورة ، كلاهما سواء ، فيجب على الشباب أن ينتبهوا لهذه المصيبة التي عمّتهم إلا مَنْ شاء الله ، وقليل ما هم ))(2). أما إذا كان ((البنطلون)) واسعاً غير ضيق ، صحت فيه الصلاة ، والأفضل أن يكون فوقه قميص يستر ما بين السرة والركبة ، وينزل عن ذلك إلى نصف الساق ،أو إلى الكعب ، لأن ذلك أكمل في الستر(1). [2] * الصلاة في الثيّاب الرقيقة الشّفافة : كما تكره الصلاة في الملابس الحازقة ، التي بضيقها تحكي العورة وتصف شكلها وحجمها ، فإنه لا تجوز الصلاة في الثياب الرقيقة التي تشفّ عما وراءها من البدن ، كملابس بعض المفتونين اليوم بهذه الطُرز من الثياب ، يقصدون هذه العيوب الشرعيّة قصداً ، لأنهم أسرى الشهوات ، وعبيد العادات ، ولهم مِنْ دعاة الإِباحة مَنْ يرغّبهم فيها ، ويفضّلها لهم على غيرها ، بأنها من الجديد اللائق ، بمجددي الفسق و الفجور ، وليست من العتيق البالي المذموم ، لأنه قديم(2) !! ومن هذا الباب : [1/2] الصّلاة في ملابس النّوم (( البيجامات )) . أخرج البخاريّ في (( صحيحه )) بسنده إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال : قام رجل إلى النبي r فسأله عن الصّلاة في الثّوب الواحد ، فقال : (( أوَ كلّكم يجد ثوبين )) ؟! ثم سأل رجل عمر ، فقال : إذا وسّع اللهُ فأوسعوا : صلّى رجل في إزارٍ ورداء ، في إزار وقميص ، في إزار وقباء ، في سراويل ورداء ، في سراويل وقميص ، في سراويل وقباء ، في تُبّان وقباء ،في تُبّان وقميص (3). ورأى عبد الله بن عمر نافعاً يصلي في خلوته ، في ثوبٍ واحدٍ ، فقال له : ألم أكسك ثوبين ؟ قال : بلى . قال : أفكنت تخرج إلى السوق في ثوبٍ واحد ؟ . قال : لا . قال : فالله أحق أن يتجمّل له (4). وهكذا مَنْ يصلّي في ملابس النوم ،فإنه يستحيي أن يخرج إلى السوق بها ،لرقّتها وشفافيتها . قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) : (6/369) : (( إن أهل العلم يستحبّون للواحد المطق على الثياب ، أن يتجمّل في صلاته ما استطاع بثيابه ، وطيبه ، وسواكه )) . قال الفقهاء في مبحث شروط صحة الصّلاة : مبحث ستر العورة : ((ويشترط في الساتر أن يكون كثيفاً ، فلا يجزىء الساتر الرقيق ، الذي يصف لون البشرة))(1) . وهذا في حق الذّكر و الأنثى ، سواء صلّى منفرداً أم جماعةً ، فكلّ مَنْ كشف عورته مع القدرة على سترها ،لا تصح صلاته ، ولو كان منفرداً في مكانٍ مظلم للإجماع على أنه فرض في الصلاة ، ولقوله تعالى : { يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ }(2) المراد بالزّينة : محلها وهو الثّوب ، وبالمسجد الصّلاة ، أي : البسوا ما يواري عورتكم عند كلّ صلاة(3). ومن هذا الباب : [2/2] صلاة بعضهم في الثوب الساتر للجسد (( دشداش )) رقيق ، يصف لون البشرة ، دون سروالٍ تحته (*) . وفي مقولة عمر السّابقة ، التي قدم فيها أكثر الملابس ستراً ، أو أكثرها استعمالاً ، وضمّ إلى كلّ واحدٍ واحداً ، ولم يقصد الحصر في ذلك ، بل يلحق بذلك ما يقوم مقامه، دليلٌ على وجوب الصّلاة في الثياب الساترة ، وأن الاقتصار على الثّوب الواحد ، كان لضيق الحال ، وفيه : أن الصّلاة في الثوبين ، أفضل من الثّوب الواحد ، وصرّح القاضي عياض بنفي الخلاف في ذلك(4). قال الإمام الشافعي : (( وإن صلى في قميص(1) يشف عنه ، لم تجزه الصّلاة ))(2). وقال : [3/2] (( والمرأة في ذلك أشدّ حالاً من الرجل ، إذا صلّت في درع وخمار ، يصفها الدّرع ، وأحب إليّ أن لا تصلي في جلباب فوق ذلك ، وتجافيه عنها لئلا يصفها الدّرع ))(3). فعلى المرأة أن لا تصلي في الملابس الشفافة من (( النّايلون )) و (( الشيفون )) ، فإنها لا تزال كاسية سافرة ، ولو غطى الثوب بدنها كله ، حتى لو كان فضفاضاً . ودليل ذلك : قوله r : ((سيكون في آخر أمتي نساء كاسيات عاريات …))(*). قال ابن عبد البر : (( أراد r : النساء اللواتي يلبسن من الثياب ، الشيء الخفيف ، الذي يصف ولا يستر ، فهن كاسيات بالاسم ، عاريات في الحقيقة ))(4). وعن هشام بن عروة : أن المنذر بن الزّبير قدم من العراق ، فأرسل إلى أسماء بنت أبي بكر بكسوة من ثياب مرويّة وقوهية - من نسيج ((قوهستان)) ناحية بخراسان - رقاق عتاق ، بعدما كفّ بصرها ، قال : فلمستها بيدها ، ثم قالت : أف ، ردّوا عليه كسوته . قال :فشقّ ذلك عليه ، وقال : يا أمّة ، إنه لايشف . قالت : إنها إن لم تشف ، فإنها تصف(5). قال السفاريني في ((غذاء الألباب)) : (( إذا كان اللباس خفيفاً ، يبدي - لرقّته وعدم ستره - عورة لابسه ، من ذكر أو أنثى فذلك ممنوع ، محرّم على لابسه ، لعدم سترة العورة المأمور بسترها شرعاً ، بلا خلاف ))(6) وقال الشوكاني في (( نيل الأوطار )) : (2/115) : ((يجب على المرأة أن تستر بدنها بثوب لا يصفه ، وهذا شرط ساتر العورة )) . وذكر بعضُ الفقهاء أن الثياب التي تشف في بادىء النظر ، وجودها كعدمها(1)، وعليه فلا صلاة للابسها . وصرّح بعضهم أن زيّ السلف لم يكن محدّداً للعورة بذاته لرقّته ، أو بغيره ، أو لضيقة وإحَاطته(2) [3] * الصّلاة والعورة مكشوفة : يقع في الخطأ ، الأصناف التّالية من النّاس : [1/3] أولاً : مَنْ يلبس (( البنطلون )) الذي يحجم العورة أو يصفها ويشفها ، ويلبس قميصاً قصيراً ، وعند الركوع والسجود ينحسر القميص عن (( البنطلون )) ، ويظهر ظهر المصلي وجزء من سوأته - في بعض الأحايين إن لم يكن في معظمها - وبهذا تكون قد ظهرت عورته المغلّظة ، وهو راكع أو ساجد لله سبحانه ، ونعوذ بالله من الجهل و الجهلاء ، لأن كشف العورة في هذه الحالة ، تؤدي إلى بطلان الصّلاة ، والسبب في ذلك (( البنطلون )) المستورد من دول الكفر(3). قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجيرين منبّهاً على بعض الأخطاء التي يفعلها بعض المصلين في صلاتهم : (( كثير من الناس الذين لا يلبسون الثياب السابغة ، وإنما يلبس أحدهم السراويل وفوقه جبّة (قميص) على الصّدر والظهر ، فإذا ركع تقلصت الجبّة ، وانحسرت السّراويل ، فخرج بعضُ الظهر ، وبعضُ العجز ، مما هو عورة ، بحيث يراه مَنْ خلفه ، وخروج بعض العورة ، يبطل الصّلاة(*). [2/3] ثانياً : مَنْ لم تتعاهد ملابسها ولم تكن حريصةً على ستر جميع بدنها ، وهي بين يدي ربّها عزّ وجلّ ، إما جهلاً أو كسلاً أو عدم مبالاة . واتَّفق الجمهور على أن اللباس المجزىء للمرأة في الصّلاة ، هو درع وخمار(4). فقد تدخل إحداهُنّ في الصّلاة وشعرها أو جزءٌ منه أو مِنْ ساعدها أو ساقها ، وهو مكشوف ، وحينئذ فعليها ـ عند جمهور أهل العلم ـ أن تعيد في الوقت وبعده . ودليل ذلك ما روته السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن النّبيّ r قال : (( لا يقبل الله صلاة حائضٍ إلاّ بِخِمارٍ ))(1). والمراد بالحائض : الموصوفة بكونها من أهل الحيض ، لا مَنْ يجري دمها ، فالحائض وصف عام ، يقال على مَن لها ذلك وصفاً ، إن لم يكن قائماً بها(2). وسئلت أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ : ماذا تصلّي فيه المرأة من الثّياب ؟ فقالت : في الخمار والدّرع السّابغ ، الذي يغيب ظهور قدميها(3). وسئل الإمام أحمد : المرأة في كم ثوبٍ تصلّي ؟ قال : أقلّه : درع وخمار ، وتغطّي رجليها ، ويكون درعاً سابغاً ، يغطي رجليها(4). وقال الإمام الشافعي : ((وعلى المرأة أن تغطي في الصلاة كل شيء ، ما عدا كفيها ووجهها )) . وقال أيضاً : (( وكل المرأة عورة إلا كفيها ووجهها ، وظهر قدميها عورة ، فإذا انكشف الرجل في صلاته شيء مما بين سرّته وركبته ، ومن المرأة في صلاتها شيء من شعرها ، قلَّ أو كثر ،ومن جسدها سوى وجهها وكفيها ومما يلي الكف من موضع مفصلها ولا يعدوه ـ علما أو لم يعلما ـ أعادا الصلاة معاً ، إلا أن يكون تنكشف بريح أو سقطة ، ثم يعاد مكانه ، لا لبث في ذلك ، فإن لبث بعدها قدر ما يمكنه إذا عالجه إعادته مكانه : أعاد ، وكذلك هي ))(5). وعليه : فعلى المسلمات أن يعتنين بملابسهن في الصّلاة ـ فضلاً عن خارجها ـ وكثير منهن ((يبالغن في ستر أعلى البدن ، أعني الرأس ، فيسترن الشّعر والنحر ، ثم لا يبالين بما دون ذلك ، فيلبسن الألبسة الضيقة والقصيرة ، التي لا تتجاوز نصف السّاق !! ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍أو يسترن النصف الآخر بالجوارب اللحمية ، التي تزيده جمالاً . وقد تصلي بعضُهنّ بهذه الهيئة ، فهذا لايجوز ، ويجب عليهن، أن يبادرن إلى إتمام الستر ، كما أمر الله تعالى ، أسوة بنساء المهاجرين الأولين ، حين نزل الأمر بضرب الخمر ، شققن مروطهن ، فاختمرن بها ، ولكننا لا نطالبهن بشقّ شيء من ثيابهن ، وإنما بإطالته وتوسيعه ، حتى يكون ثوباً ساتراً !‍‍‍‍ ))(1). ولما اشتهر لبسُ الجلباب القصير في بعض البلاد الإسلاميّة بين كثير من الفتيات المؤمنات ، والصّلاة به ، رأيتُ أن أُبيّن ـ بإيجازٍ ـ أن قدم المرأة وساقها عورة ، فأقول وبالله التّوفيق : قال تعالى:{ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ }(2). ووجه الدلالة من الآية : أن النّساء يجب عليهن أن يسترن أرجلهنّ أيضاً . وإلا لاستطاعت إحداهُنّ أن تبدي ما تخفي من الزينة ـ وهي الخلاخيل ـ ولاستغنت بذلك عن الضّرب بالرّجل ، ولكنها كانت لا تستطيع ذلك ، لأنه مخالفة للشّرع مكشوفة ، ومثل هذه المخالفة ، لم تكن معهودة في عصر الرسالة ، ولذلك كانت إحداهن تحتال بالضّرب بالرّجل ، لتعلم الرّجال ما تخفي من الزّينة ، فنهاهن الله تعالى عن ذلك . وبناءً على ما أوضحنا ، قال ابن حزم : (( هذا نص على أن الرّجلين و الساقين ، مما يخفي ، ولا يحلّ إبداؤه ))(3). ويشهد لهذا من السنّة : حديث ابن عمر ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله r : (( مَنْ جرّ ثوْبه خيلاء ، لم ينظر الله إليه يوم القيامة )) . فقالت أم سلمة : فكيف يصنع النّساءُ بذيولهنّ ؟ قال : يرخين شبراً (4). فقالت : إذن تنكشف أقدامهن ! قال : فيرخينه ذراعاً ، لا يزدن عليه . وفي رواية : (( رخص رسول الله r لأمهات المؤمنين شبراً ، ثم استزدنه ، فزادهنّ شبراً ، فكن يرسلن إلينا ، فنذرع لهن ذراعاً ))(1). وأفادت هذه الرواية : قدر الذّراع المأذون فيه ، وأنه شبران بشبر اليد المعتدلة ، قال البيهقي : (( وفي هذا دليل على وجوب ستر قدميها ))(2) ويستفاد من كلمة (( رخّص )) ومن سؤال أم سلمة السّابق ( فكيف يصنع النساء بذيولهن )) بعد سماعها وعيد جرِ الثّوب : التعقّب على مَنْ قال : إن الأحاديث المطلقة في الزّجر عن الإسبال مقيّدة بالأحاديث الأخرى المصرّحة بمن فعله خيلاء . ووجه التعقّب : أنّه لو كان كذلك لما كان في استفسار أم سلمة عن حكم النّساء في جرّ ذيولهنّ معنى ، بل فهمت الزّجر عن الإسبال مطلقاً ، سواء كان عن مخيلة أم لا ، فسألت عن حكم النساء في ذلك لاحتياجهنّ إلى الإسبال من أجل ستر العورة ، لأن جميع قدمها عورة ، فبيّن لها : أن حكمهنّ في ذلك خارج عن حكم الرّجال في هذا المعنى فقط . وقد نقل عياض الإجماع على أن المنع في حقِّ الرّجال دون النّساء ، ومراده منع الإسبال ، لتقريره r أم سلمة على فهمها . والحاصل : أن للرجل حالين : حال استحباب : وهو أن يقتصر بالإزار على نصف السّاق . حال جواز : وهو إلى الكعبين . وكذلك للنّساء حالان : حال استحباب : وهو ما يزيد على ما هو جائز للرّجال ، بقدر الشبر . حال جواز : بقدر الذّراع(3). وعلى هذا جرى العمل من في عهد r وما بعده . ومن أجل ذلك كان من شروط المسلمين الأوّلين على أهل الذمة : أن تكشف نساؤهم عن سوقهن وأرجلهن ، لكي لا يتشبهن بالمسلمات ، كما جاء في ((اقتضاء الصّراط المستقيم ))(1). ويقع في خطأ : الدخول في الصّلاة و العورة مكشوفة : [3/3] ثالثاً : الآباء الذين يلبسون أبناءهم السّراويل القصيرة ((الشورطات))ويحضرونهم المساجد ، وهم على هذه الحالة ، لقوله r ( مروهم بالصّلاة ، وهم أبناء سبع ))(2). ولا شك : أن هذا الأمر ، يشمل أمرهم بشروطها وأركانها أيضاً(3)، فتنبه ، ولا تكن من الغافلين . [4] * صلاة مُسْبِل الإزار : عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : بينما رجل يصلّي مُسْبِلاً إِزاره ، قال له رسولُ الله r : ((اذهب فتوضّأ ، فذهب فتوضّأ ، ثم جاء ، فقال : اذهب فتوضّأ ، فقال له رجل : يا رسول الله !! ما لك أَمرتَهُ أن يتوضّأ ؟ ثم سكت عنه . قال : إنّه كان يُصَلِّي ، وهو مسبلٌ إزارَه ، إن الله لا يقبل صلاة رجلٍ مسبلٍ إزارَه))(4). وعن عبدالله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله r قال : (( لا ينظر الله إلى صلاة رجل ، يجرّ إزاره بطراً ))(1) . وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال : سمعتُ رسول الله r يقول : ((مَنْ أسبل إزاره في صلاته خُيلاء ، فليس من الله في حِلٍّ ولا حرام ))(2). أي : لا ينفع للحلال ولا للحرام ، فهو ساقط من الأعِين ، لا يلتفت إليه ، ولا عبرة به ولا بأفعاله . وقيل : ليس في حلّ من الذّنوب ، بمعنى : أنه لا يغفر له ، ولا في احترام عند الله ، وحفظ منه ، بمعنى : أنه لا يحفظه من سوء الأعمال . وقيل : لا يؤمن بحلال الله وحرامه . وقيل : ليس من دين الله في شيء ، أي : قد برىء من الله تعالى ، وفارق دينه(3). فالحديث يدلّ على تحريم إرخاء الإزار في الصّلاة ، إذا كان بقصد الخيلاء ، وإلى ذلك ذهبت الشافعية والحنابلة ، ويدل على الكراهة ، إذا كان بغير قصد الخيلاء(4)، عند الشافعّية(5). وتعقّب الشيخ أحمد شاكر ابنَ حزم في تحقيقه ((المحلى)) عند هذا المبحث ، فقال : ((ثم إنّ المؤلّف ترك حديثاً ، قد يكون دليلاً قوياً على بطلان صلاة المسبل خيلاء)) ثم ذكر الحديث الأوّل ، ثم قال : ((وهو حديث صحيح . قال النّووي في ((رياض الصّالحين)) : إسناده صحيح على شرط مسلم))(6). قال ابن قيم شارحاً الحديث الأوّل : ((ووجه هذا الحديث - والله أعلم -: أن إسبال الإزار معصية ، وكل من واقع معصية ، فإنه يؤمر بالوضوء والصّلاة ، فإن الوضوء يطفىء حريق المعصية))(1). ولعل السر في أمره r له بالوضوء ، وهو طاهر : أن يتفكر الرجل في سبب ذلك الأمر ، فيقف على ما ارتكبه من المخالفة ، وأن الله تعالى ببركة أمره r إيّاه بطهارة الظّاهر ، يطهّر باطنه من دنس الكبر ، لأن طهارة الظّاهر تؤثر في طهارة الباطن(2). ومن الجدير بالذّكر : أن ((الإِسبال [يكون] في السراويل والإِزار و القميص))(3). فعلى المصلّي ((أن يتعاهد ملابسه إذا استرخت حتى يرفعها ، ولا يعد ممن يجّر ثيابه خيلاء ، لكونه لم يسبلها ، وإنما قد تسترخي عليه ، فيرفعها ويتعاهدها ، ولا شك أن هذا معذور . أما مَنْ يتعمد إرجاءها ، سواء كانت ((بشتاً)) أو ((سراويل)) أو ((قميصاً)) فهو داخل في الوعيد ، وليس معذوراً في إسباله ملابسة ، لأن الأحاديث الصحيحة المانعة من الإسبال تعمّه بمنطوقها وبمعناها ومقاصد ها . فالواجب على كل مسلم أن يحذر الإسبال ، وأن يتّقي الله في ذلك ، وألا تنزل ملابسة عن كعبه ، عملاً بهذه الأحاديث الصحيحة ، وحذراّ من غضب الله وعقابه ، و الله وليّ التوفيق))(4). * فتوى في إمامة المبتدع والمسبل إزاره ، للشيخ عبد العزيز بن باز : سئل حفظه تعالى : هل تصح الصّلاة وراء المبتدع والمسبل إزاره ؟ فأجاب ، بما نصه : (( نعم ، تصح الصّلاة خلف المبتدع ، وخلف المسبل إزاره وغيره من العصاة ، في أصح قولي العلماء ، ما لم تكن البدعة مكفّرة لصاحبها ، فإن كانت مكفّرةً له ، كالجهمي ونحوه ، ممن بدعتهم تخرجهم عن دائرة الإسلام ، فلا تصح الصلاة خلفهم . ولكن على المسؤولين ، أن يختاروا للإِمامة مَنْ هو سليم من البدعة والفسق ، مرضيّ السيرة ، لأن الإمامة أمانة عظيمة ، القائم بها قدوة للمسلمين ، فلا يجوز أن يتولاّها أهل البدع والفسق ، مع القدرة على تولية غيرهم . والإسبال من جملة المعاصي ، التي يجب تركها ، والحذر منها ، لقول النبي r : (( ما أسفل الكعبين من الإزار فهو في النّار))(1) ، رواه البخاري في ((صحيحه)) . وما سوى الإزار حكمه الإزار ، كالقميص والسراويل والبشت ونحوه ذلك ، وقد صحّ عن رسول الله r أنه قال : (( ثلاثة لا يكلمهم الله ، ولا ينظر إليهم يوم القيامة ، ولا يزكّيهم ، ولهم عذاب أليم : المسبل إزاره ، والمنّان فيما أعطى ، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب ))(2). أخرجه مسلم في ((صحيحه)) . وإذا صار صحبه للإزار ونحوه من أجل التكبّر ، صار ذلك أشدّ في الإثم ، وأقرب إلى العقوبة العاجلة ، لقول النبي r : (( مَنْ جرَّ ثوبه خيلاء لم ينظر اللهُ إليه يوم القيامة ))(3). والواجب على كلّ مسلم ، أن يحذر ما حرم الله عليه من الإسبال وغيره المعاصي))(4) انتهى هذا ، وإنه ليسوءنا ، ويسوء كلّ غيور على دينه ، حريص على سعادة أمته ، أن نرى مخالفة هذه الأدلة بين ظهرانينا من الرّجال و النّساء . فنرى الرّجال يسبلون الثّياب ، تجرّ على الأرض ذيولها ، ويتركون الحبل على الغارب للنّساء ، فيقصرن الثياب ، ويكشفن الرؤوس والنحور والصدور ، ويسرن في الطرقات متعطرات متبرجات متهتكات ، كاسيات عاريات ، مائلات مميلات ، يبدين زينتهن ، ويظهرن أطرافهن على مرأى ومشهد من القريب والبعيد ، ولا حول ولا قوة إلا بالله . [5] * سدل الثوب والتلثّم في الصّلاة : عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن السّدل في الصّلاة ، وأن يغطّي الرّجل فاه(1). وذهب ابن مسعود والنّخعي والثّوري وابن المبارك ومجاهد والشافعي وعطاء إلى كراهة السّدل في الصّلاة . واختلف في السّدل على أقوال : قيل : أن يرسل الثّوب حتى يصيب الأرض . وهذا تفسير الشافعي (2) . وهو على هذا المعنى : يشترك في معنى الإسبال ، المبحوث في الخطأ السّابق . وقيل : أن يرخي الرّجل ثوبه على عاتقه ثم لا يمسه . وهو على هذا المعنى : خوفاً من كشف العاتقين ، وسيأتي بحثه ، إن شاء الله تعالى . والتّفسير السّابق للإمام أحمد(3). وقال صاحب ((النهاية)) : ((هو : أن يلتحف بثوبه ، ويدخل يديه من داخل ، فيركع ويسجد ، وهو كذلك)) . قال : ((وهذا مطّرد في القميص وغيره من الثياب ))(4). قلت : وهو على هذا المعنى : يشترك في معنى ((اشْتمال الصَّمَّاء)) . عن أبي سعيد الخدري أنه قال : ((نهى رسول الله r عن اشْتمال الصَّمَّاء))(5). قال أهل اللغة : هو أن يخّلل جسده بالثّوب ، لا يرفع منه جانباً ، ولا يبقي ما يخرج منه يده. قال ابن قتيبة : سمّيت صماء ، لأنه يسدّ المنافذ كلّها ، فتصير كالصّخرة الصمّاء ، التي ليس فيها خرق(6). وعلى هذا المعنى : [1/5] تعلم خطأ كثير من المصلّين ، عندما يصلون ، و((الجاكيت)) على كتفيهم من غير أن يدخلوا أيديهم في كمّها !! ويؤيّد هذا : ما قاله أبو عبيد : (( السّدل : هو إسبال الرّجل ثوبَه من غير أن يُضمّ جانبيه بين يديه ، فإنْ ضمّه فليس بِسَدْلٍ))(1). وظاهره :إن كان جانبا الثّوب مضمومين ، مع عدم إدخال اليدين في الكمّين ، فلا يعتبر إسدالاً ، مثل : الصّلاة في ((القَباء)) و ((العباءة)) . قال السّفاريني : سئل شيخ الإسلام ابن تيمية : عن طرح ((البقاء))(2)على الكتفين من غير أن يدخل يديه في كمّيه ، هل هو مكروه أم لا ؟ فأجاب : ((بأنه لا بأس بذلك باتّفاق الفقهاء ، وليس هذا من السّدل المكروه ، لأن هذه اللبسة ، ليست لبسة اليهود))(3)انتهى . ودليله : ما رواه مسلم في ((صحيحه)) عن وائل بن حُجْر : ((أنه رأى النَّبيَّ r حين دخل في الصّلاة ، كّبر ، ثم التحف بثوبه ، ثم وضع يديه اليمنى على اليسرى ، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثّوب ، ثم رفعهما ...))(4). [2/5] ويكره أن يصلّي الرّجل ، وهو مُتَلَثِّم(5)، للحديث السّابق : ((أن يغطّي الرّجلُ فاه)). ويكره أن يضع يده على فمه في الصّلاة ، إلاّ إذا تثاءب ، فإن السنّة : وضع اليد على فيه . عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ : أَنَّ النَّبيَّ r قال : ((إذا تثاوب أحدُكم ، فَلْيُمْسِك بيده على فِيهِ ، فإن الشّيطان يَدْخُلُ))(6)والمرأة والخنثى كالرّجل في هذا . وهذه كراهة تنزيه ، لا تمنع صحة الصّلاة(1)، وأما التلثّم على الأنف ،فعلى روايتين : إحداهما : يكره لأن عمر كرهه ، والأُخرى : لا يكره ، لأن تخصيص الفم بالنّهي عن تغطيته ، يدّل على إباحة تغطية غيره(2)، ولا يُتصَوّر تغطية الأنف في الصّلاة ، إلا بتغطية الفم ، لأنه دونه ، وعليه فالكراهة متحققة ، في هذه المسألة ، والله تعالى أعلم . وتستثنى كراهة التلثم في الصّلاة ، إن كانت لعلّة(3). [6] * كفّ الثّوب في الصّلاة ((تشميره)) : ومن أخطاء بعض المصلّين : أنهم يكفّون ـ أي : يشّمرون ـ ثيابهم ، قبل دخولهم في الصّلاة. عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله r : ((أَمرتُ أن أسجد على سبعةٍ ، ولا أكفّ شعراً ولا ثوباً ))(4). ترجم أبن خزيمة ـ رحمه الله تعالى ـ على هذا الحديث بـ : ((باب الزّجر عن كفّ الثّياب في الصّلاة ))(5). قال النووي ـ رحمه الله تعالى ـ ((اتّفق العلماء على النّهي عن الصّلاة وثوبه مشمّر أو كمّه أو نحوه ))(6) وقال الإمام مالك : فيمن صلّى مشمّراً كمّيه : ((إن كان ذلك لباسه قبل ذلك وهيئته ، وكان يعمل عملاً ، فشمّر لذلك العمل ، فدخل في صلاته كما هو ، فلا بأس بأن يصلّي بتلك الحال . وإن كان إنما فعل ذلك ليكفت شعراً أو ثوباً فلا خير فيه ))(7). قلت : وظاهر النّهي مطلق ، سواء شمّر للصّلاة ، أم كان مُشمِّراً قبلها ، ودخل فيها ، وهو على تلك الحالة . قال النووي بعد كلامه السّابق : (( وهو ـ أي :النهي عن تشمير الثّوب ـ كراهة تنزيه ، فلو صلّى كذلك فقد أساء وصحت صلاته . واحتجّ قي ذلك أبو جعفر محمد بن جرير الطّبري بإجماع العلماء . وحكى ابنُ المنذر الإعادة فيه عن الحسن البصري ))(1). ثم قال رحمته الله تعالى : (( ثم مذهب الجمهور : أنّ النّهي مطلق ، لمن صلّى كذلك ، سواء تعمّده للصّلاة أم كان قبلها كذلك ، لا لها ، بل لمعنى آخر . وقال الداودي : يختص النّهي بمن فعل ذلك للصّلاة . والمختار الصحيح هو الأوّل . وهو ظاهر المنقول عن الصحابة وغيرهم ))(2). [7] * صلاة مكشوف العاتقين(*): عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله r : ((لايصلين أحدكم في الثّوب الواحد ، ليس على عاتقه منه شيء )) . متفق عليه(3). وفي رواية مسلم : ((على عَاتِقَيْهِ)) . ورواه أحمد باللفظين(4). قال ابن قدامة : ((يجب أن يضع المصلّي على عاتقه شيئاَ من اللباس ، إن كان قادراً على ذلك . وهو قول ابن المنذر . وحكي عن أبي جعفر : أنّ الصّلاة لا تجزىء مَنْ لم يخمّر منكبيه . وقال أكثر الفقهاء : لا يجب ذلك ، ولا يشترط لصحة الصّلاة به . وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي ، لأنهما ليسا بعورة ، فأشبها بقيّة البدن))(5). والنهي الوارد في الحديث السّابق يقتضي التحريم ، ويقدم على القياس . مذهب الجمهور : عدم البطلان ، ولكنهم قالوا : ((هذا النهي للتنزيه ، لا لتحريم ، فلو صلى في ثوب واحد ، ساترٍ لعورته ، ليس على عاتقه منه شيء ، صحت صلاته ، مع الكراهة ، سواء قدر على وضع شيء يجعله على عاتقه أم لا ))(1) . وأخطأ الكرماني ، فادّعى أن الإجماع منعقد على جواز تركه(2). وكلامه منقوص بمذهب أحمد وابن المنذر ـ كما بيّنا ـ و ((بعض السلف))(3) و ((طائفة قليلة))(4) و ((بعض أهل العلم))(5) قال أبن حجر متعقّباً الكرماني : ((كذا قال !! وغفل عما ذكره بعد قليل عن النووي من حكاية ما نقلناه عن أحمد ، وقد نقل ابن المنذر عن محمد بن علي عدم الجواز ، وكلام الترمذي يدلّ على ثبوت الخلاف أيضاً ، وعقد الطحاوي له باباً في ((شرح المعاني))(6) ونقل المنع عن ابن عمر ثم عن طاوس والنخعي ، ونقله غيره عن ابن وهب وابن جرير . ونقل الشيخ تقيّ الدّين السبكي وجوب ذلك عن نص الشّافعي واختاره ، لكن المعروف في كتب الشافعيّة خلافه ))(7). قال القاضي : وقد نقل عن أحمد ما يدلّ على أنه ليس بشرط ، وأخذه من رواية مثنى عن أحمد فيمن صلّى وعليه سراويل ، وثوبه على أحد عاتقيه والآخر مكشوف : يكره . قيل له : يؤمر أن يعيد ؟ فلم ير عليه إعادة . وهذا يحتمل : أنه لم ير عليه الإعادة ، لستره بعض المنكبين ، فاجتزىء بستر أحد العاتقين عن ستر الآخر ، لامتثاله للفظ الخبر . ووجه اشتراط ذلك : أنه منهي عن الصلاة مع كشف المنكبين ، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه ، ولأنها سترة واجبة في الصّلاة ، فالإخلال بها يفسدها كستر العورة(8). ولا يجب ستر المنكبين جميعهما ، بل يجزىء ستر بعضهما(9)، ويجزىء سترهما بثوب خفيف، يصفّ لون البشرة ، لأن وجوب سترهما بالحديث ، وهو يقع في هذه الحالة ، والحالة التي قبلها ، أعني : سواء عم ّ المنكبين أم لا(1)، وقد ذكرنا نص الإمام أحمد فيمن صلّى ، وأحد منكبيه مكشوف ، فلم يوجب عليه الإِعادة . قال الفقهاء : إن طرح على كتفه حبلاً أو نحوه ، فهل يجزئه ؟ وظاهر كلام الخرقي : ((إذا كان على عاتقه شيء من اللباس )) لايجزئه ، لقوله : ((شيء من اللباس )) ، وهذا لا يسمى لباساً ، وهو قول القاضي ، وصححه ابن قدامة . قال : ((والصحيح : أنه لايجزئه ، لأن النبي r قال : ((إذا صلى أحدكم في ثوب واحد ، فليخالف بين طرفيه على عاتقيه )) ، من الصحاح ورواه أبو داود . ولأن الأمر بوضعه على العاتقين للستر ، ولا يحصل ذلك بوضع خيطٍ ، ولا يسمّى سترة ))(2). ومن هذا : تعلم خطأ بعض المصلّين ، عندما يصلّون خصوصاً في فصل الصّيف ـ بـ((الفنيلة)) ذات الحبل اليسير الذي يكون على الكتف . فصلاتهم على هذه الحالة باطلة عند الحنابلة وبعض السّلف ، مكروهة عند الجمهور . هذا إذا لم يقع هؤلاء وهم على هذه الحالة في خطأ ((الصّلاة في الثّياب الحازقة التي تصفّ العورة)) أو ((الصّلاة في الثياب الرقيقة الشفّافة)) المبحوثْين سابقاً ، والله المستعان لا ربّ غيره . [8] * الصَّلاة في الثّوب الذي عليه صورة : عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : قام رسول الله يصلّي في خميصةٍ ، ذات أعلام ، فلما قضى صلاته قال: اذهبوا بهذه الخميصة إلى أبي جهم بن حذيفة ، وأتوني بأنْبِجَانيّة ، فإنها ألهتني آنفاً في صلاتي(3). والأنبجانيّة التي طلبها الرسول r ، هي كساء غليظ ، لاعلم فيه ، بخلاف الخميصة التي ردّها فهي ذات أعلام ، ولعل كلمة أعلام أبلغ من الصّور . قال الطيبي : ((في حديث الأنبجانيّة : إيذان بأن للصّور والأشياء الظاهرة تأثيراً في القلوب الطّاهرة ، والنّفوس الزّكيّة ، فضلاً عمّا دونها))(1). وعن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال : كان قِرام لعائشة ، سترت به جانبَ بيتها ، فقال لها النَّبيُّ r ((أميطي عنّي ، فإنه لا تزال تصاويرُه تَعْرِضُ لي في صلاتي ))(2). واستشكل هذا بحديث عائشة الذي فيه : أن الرسول r لم يدخل البيت الذي فيه السّتر المصوّر(3)، وأُجب باحتمال أن تكون التصاوير في حديث عائشة ذات أرواح ، وهذا الحديث من غيرها(4)، وحديث أنس يدلّ بدلالة الأولى على كراهة الصّلاة في الثوب الذي عليه صورة . ووجه الدلالة : ما قاله القسطلاني : ((وإذا كانت الصّور تلهي المصلّي ، وهي مقابلة ، فأولى إذا كان لابسها)) (5)، وعلّق العيني على تبويب البخاري : ((كراهية الصّلاة في التصاوير )) فقال : ((أي : هذا باب في بيان كراهية الصّلاة في البيت الذي فيه الثياب ، التي فيها التصاوير ، فإذا كرهت في مثل هذا ، فكراهتها وهو لابسها أقوى وأشدّ))(6). وبوّب البخاري على حديث أنس السابق : ((باب إنْ صلَّى في ثوبٍ مُصَلَّبٍ أو تصاويرَ هل تَفْسُدُ صلاتُه ؟ وما ينهى عن ذلك))(7). وأفاد ابن حجر والعيني أن معنى قول البخاري ((هل تَفْسُدُ صلاتُه ؟ )) بأنه استفهام على سبيل الاستفسار ، جرى البخاريّ في ذلك على عادته ، في ترك القطع في الشيء الذي فيه اختلاف، لأن العلماء اختلفوا في النّهي الوارد في الشيء ، فإن كان لمعنى في نفسه ، فهو يقتضي الفساد فيه ، وإن كان لمعنى في غيره ، فهو يقتضي الكراهة أو الفساد ، فيه خلاف(8). ويستفاد مما سبق : أن خلافاً وقع في صلاة مَنْ على ثوبه صورٌ . لم يجزم البخاري ببطلانها ، واستفسر بـ ((هل)) عليه ، وهذا يدلّ على أنّ قولاً أو وجهاً فبه يقتضي بذلك ، ومذهب جمهور الفقهاء الكراهة(1) ، ويدل عليه ما روته السيّدة عائشة قالت : كان لي ثوب ، فيه صورة ، فكنت أبسطه ، وكان رسول الله r يصلّي إليه ، فقال لي : أخّريه عني ، فجعلت منه وسادتين(2). قال النووي بعد ذكر الحديث : ((وأما الثّوب الذي فيه صور أو صليب أوما يلهي ، فتكره الصّلاة فيه وإليه وعليه الحديث ))(3). واستكمالاً للفائدة ، وإتماماً لهذا المبحث ، نتكلم ـ بإيجازٍ ـ عن : * حكم صلاة حامل الصّور : سئل الإمام مالك ـ رحمه الله تعالى ـ عن الخاتم يكون فيه التماثيل ، أيلبس ويصلّى به ؟ قال : لا يلبس ولا يصلّى به(4). وقال البيهوتي : ((ويكره للمصّلي حمله فصّاً فيه صورة أو حمله ثوباً ونحوه كدينار أو درهم فيه صورة))(5) ، ورخص علماء الحنفيّة في صلاة الرّجل ، ومعه دراهم يحملها ، وعليها صور . قال السّمرقندي : ((إذا صلّى الرّجل ، ومعه دراهم فيها تماثيل الملك !! فلا بأس به ، لأن هذا يقلّ، ويصغر عن البصر))(6). وأحاديث النّهي السّابقة متقاربة المعنى ، ووقع التصريح فيها أن النهي عن الصلاة في الصّورة أو إليها ، من أجل ((اشتغال القلب بها عن كمال الحضور في الصّلاة ، وتدبّر أذكارها وتلاوتها ومقاصدها من الانقياد والخضوع))(1) وفيها : ((منع النّظر من الامتداد إلى ما يشغل وإزالة ما يخاف اشتغال القلب به . وغير ذلك من الشّاغلات ، لأن النبي r جعل العلّة في إزالة الخميصة هذا المعنى ))(2). وهذه العلَّة غير متحققة في المصلّي حامل الصورة ، ولاكن يبقى حكمه حكم حامل الصورة خارج الصّلاة ، ولما كانت الصورة على الدّراهم ممتهنة ، بالإنفاق والمعاملة ، ووضعها في الجيب أو حملها ،لا يعني تعظيمها ، أرى أنه لاحرج على صلاة حامل الدّراهم التي عليها صور ، والله تعلى أعلم . وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز ـ حفظه الله ـ عن الصلاة بالساعة التي فيها صليب أو بداخلها صورة لبعض الحيوانات ، هل تجوز أم لا ؟ فأجاب ، بما نصه : إذا كانت الصور في الساعات مستورة ، لا ترى ، فلا حرج في ذلك . أما إذا كانت ترى في ظاهر الساعة أو في داخلها إذا فتحها ، لم يجز ذلك ، لما ثبت عنه r من قوله لعلي رضي الله عنه : ((لاتدع صورة إلا طمستها)) وهكذا الصليب لا يجوز لبس الساعة التي تشتمل عليه ، إلا بعد حكّه أو طمسه بـ ((البوية)) ونحوها ، لما ثبت عنه r ((أنه كان لايرى شيئاً فبه تصليب إلا نقضه ـ و في لفظ ـ إلاقضبه))(3). [9] * الصَّلاة في الثَّوب المعَصْفَر : عن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله r ، رأى عليه ثوبين معصفرين ، فقال : ((إنّ هذه من ثياب الكفّار ، فلا تَلْبَسْهَا))(4). وفي رواية قال له : ((أأمك أمرتك بهذا ؟ قلت إغسلهما ؟ قال بل إحرقهما)) وزاد في رواية : ((ففعلت))(5) ، وفي رواية أنّ النّبيّ r رأى عليه رَيْطةً مُضَرَّجَةً بالعُصْفر ، فقال: ما هذه الرَّيْطَة التي عليك ؟ فعرفتُ ما كره ، فأتيتُ أهلي ، وهم يَسْجُرُونَ تنُّوراً لهم ، فقذفتها فيه ، ثم أتيتُه من الغَدّ ، فقال : ((يا عبد الله ما فعلت الرَّيْطَة ؟ )) ، فأخبرتُه ، فقال : ((هَلاَّ كَسَوْتَها بعضَ أهلك ، فإنه لا بأس بها للنّساء))(1). وعن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال : نهى النّبيُّ r أن يتزعفر الرّجل(2). وعن عليّ ـ رضي الله عنه ـ قال : نهى النّبيُّ r عن لباس المُعَصْفَر(3). نقل البيهقي عن الشافعي أنه قال : أنهى الرجل الحلال بكل حال أن يتزعفر، وآمره إذا تزعفر أن يغسله ، وأرخص في المعصفر ، إلا ما قال علي : ((نهاني ولا أقول نهاكم)) . قال البيهقي : وقد ورد ذلك عن غير علي ، وساق حديث عبد الله بن عمرو السابق ، قال : فلو بلغ ذلك الشافعي لقال به ، اتّباعاً للسنّة ، كعادته(4). قال ابن قدامة : ((وأما الصّلاة في الثّوب الأحمر ، فقال أصحابنا : يكره للرّجال لبسه والصّلاة فيه))(5). وقال ابن القيم : ((وفي جواز لبس الأحمر من الثّياب والجوخ وغيرها ، نظرٌ ، وأما كراهته : فشديدة جدّاً ، فكيف يُظنّ بالنّبيّ r أنه لبس الأحمر القاني ، كلا ، لقد أعاذه اللهُ منه ، وإنما وقعت الشبهةُ من لفظ الحلّة الحمراء))(6). وقال عند كلامه على حلّة النبي r الحمراء(7) ما نصّه : ((وغلط مَنْ ظنّ أنها كانت حمَراء بحتاً ، لا يخالطها غيره ، وإنما الحلّة الحمراء : بردان يمانيان ، منسوجان بخطوط حمر مع الأسود ، كسائر البرود اليمنية ، وهي معروفة بهذا الإسم ، باعتبار ما فيها من الخطوط الحمر ، وإلا فالأحمر البحتُ منهي عنه أشدّ النّهي))(1). وردّه الشوكاني في ((شرح المنتقى)) بأن الصحابي قد وصف حلته r بأنها حمراء : وهو من أهل اللسان ، والواجب الحمل على المعنى الحقيقي ، وهو الحمراء البحت ، والمصير إلى المجاز ، أعني : كون بعضها أحمر دون بعض ، لا يحمل ذلك الوصف عليه دون لموجب ، فإن أراد إن ذلك معنى الحلة الحمراء لغة فليس في كتب اللغة ما يشهد لذلك ، وإن أراد أن ذلك حقيقة شرعة فيها ، فالحقائق الشرعيّة لا تثبت بمجرد الدّعوى ، والواجب حمل مقالة ذلك الصحابي على لغة العرب لأنها لسانه و لسان قومه(2). ولقد لخص الشوكاني هذه المسألة ، فأفاد وأجاد ، فقال رحمه الله تعالى : ((هذا المقام من المعارك ، والحق : أنّه يتوجّه النّهي عن المعصفر إلى نوع خاص من الأحمر ، وهو المصبوغ بالعصفر ، لأن العصفر يصبغ صِباغاً أحمر ، فما كان من الأحمر مصبوغاً بالعصفر ، فالنهي متوجه إليه ، وما كان من الأحمر غير مصبوغ بالعصفر فلبسه(3) جائز))(4). فالحذر الحذر ـ أخي المسلم ـ أن تقف بين يدي مولاك ـ جَلّ وعزّ ـ وأنت لابس ثوباً معصفراً ، فعليك بالاهتداء والإتباع ، وإياك والمخالفة والابتداع . وفّقنا الله وإياك لمحبّته ورضاه ،إنه جواد كريم ، سميع مجيب . [10] * صلاة مكشوف الرأس : تجوز صلاة حاسر الرأس إذا كان رجلاً ، والرأس عورة من المرأة دون الرجل . ولكن يستحب أن يكون المصلي في أكمل اللباس اللائق به ، ومنه غطاء الرأس بعمامة أو قلنسوة أو (طاقية أو عرقية) ، ونحوه ذلك مما اعتاد لبسه . فكشف الرأس لغير عذر مكروه ، ولا سيما في صلاة الفريضة ، ولا سيما مع الجماعة(5). قال الألباني : ((والذي أراه : أن الصلاة حاسر الرأس مكروهة ، ذلك أنه من المسلَّم به : استحباب دخول المسلم في الصلاة في أكمل هيئة إسلاميّة للحديث : ((فإن الله أحق أن يُتَزَيَّن له))(*)، وليس من الهيئة الحسنة في عرف السّلف ، اعتياد حسر الرأس ، والسيّر كذلك في الطرقات والدخول كذلك في أماكن العبادات ، بل هذه عادة أجنبيّة ، تسرّبت إلى كثير من البلاد الإسلاميّة ، حينما دخلها الكفار ، وجلبوا إليها عاداتهم الفاسدة ، فقلّدهم المسلمون فيها ، فأضاعوا بها وبأمثالها من التقاليد شخصيتهم الإسلاميّة ، فهذا العرض الطاري(1) لا يصلح أن يكون مسوغاً لمخالفة العرف الإسلامي السابق ، ولا إتخاذه حجة لجواز الدخول في الصّلاة حاسر الرأس . وأما استد%


لا يوجد تعليق